بسم الله الرحمن الرحيم
تخريج الفروع على الأصول من كتب أصول الفقه الممكن والممنوع
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على نبيه الأمين ، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد :
فإنني رأيت رسائل علميَّة مسجلة في عدد من الجامعات ، يستخرج الطلاب منها تخريجات أصحاب كتب الأصول الفروع على الأصول ، وينسبون تلك التخريجات لأصحاب تلك الكتب ، أو يقولون من خلال كتاب كذا .
وكثيراً ما يتواصل معي بعضهم في صحة اندراج بعض تلك الفروع تحت الأصل الذي ذكرت معه ، ولا يخفى أنه قع التساهل الظاهر في كثير من تلك الفروع ، بحجة أن مفهوم التخريج هو مجرد وصل الفرع بالأصل ، والقصد منه تدريب الطلاب على كيفية ذلك الوصل والبناء ، والإندراج .
ثم إنني رأيت التكلف الظاهر واقعا في عمل الطلاب لبيان وجه إندراج وبناء الفرع على الأصل ، وإذا ما أراد الباحث –بحسب خطته – دراسة الفرع لا يجد أحياناً للفرع خلافاً في كتب الفقه ؛ لأنه إنما ذكر في كتب الأصول لغير غرض التفريع .
ومعلوم أن كتب أصول الفقه تورد الفروع لأغراض متعددة ، والذي أراه أنه يمكن جمع مادة التخريج من بعضها ، ويمنع من بعضها .
أما ما يمكن جمع المادة منها :
الأول : ما كان قصد مؤلفه التفريع على القاعدة .
كصنيع ابن الحاجب حيث ذكر في آخر مقدمته ، وبعد ذكر مصادره : «.... ومع ما حشوناه فيه من فروع الفقه ، وفنون الفوائد ، وما سمح به الخاطر من المباحث ، مما تضمنته تعليقتنا وغيرها ، ومع تبين مذهب الشافعي على الخصوص في الأصول ، وآراء أصحابه ، والكلام مع مخالفيه ، ومع تخريج الفروع على الأصول ، ومع الكلام على أحاديه مما تقتضيه صناعة الحديث ، والاعتناء بالتمثيل ، لما تتشوف النفس إلى سماع مِثاله ، مما استخرجناه من كتب الحديث والفقه والخلافيات وغيرها ».
وهذا لا إشكال فيه ، مع ملاحظة أنهم قد لا يلتزمون مذهباً معيناً ، وهذا فارق مهم في مفهوم التخريج على الصحيح .
ومما يدل على عدم التزامهم المذاهب قول الجويني : «...ثم إنَّا نجري ذكر هذه الأمثلة تهذيباً للأصول وتدريباً فيها ، وإلا فحق الأصولي ألا يلتفت إلى مذاهب أصحاب الفروع ، ولا يلتزم مذهباً مخصوصاً في المسائل المظنونة الشرعيَّة » .
لذا اعتذر الطوفي عن ابن قدامة في مثال ذكره لا يتمشى مع مذهبه فقال : «....نعم يصح تمثيل الشيخ أبي محمد به بناء على قول من لا يرى التتابع فيه ، وضرب الأمثلة في أصول الفقه لا يختص بمذهب » .
الثاني : ما كان قصد مؤلفه تخريج الأصل من الفرع ، شريطة أن يقصد مصنفه تخريج أصول وقواعد إمامه منها .
أما ما يمنع التخريج منه من كتب أصول الفقه .
الأول : ما سبق من عدم قصد الأصوليين التفريع على مذاهبهم .
الثاني : ما ورد الفرع فيه على سبيل الفرض ، ورود الفروع كأمثلة مقدَّرة أمر واقع لا يمكن إنكاره .
قال البناني : « ...ويمكن التمثيل لما ذكره المصنف من التفصيل بمثال على سبيل الفرض للاكتفاء بمثل ذلك في التمثيل للقواعد الأصوليَّة ».
ومن الغريب عند بعضهم الانتقال إلى الأمثلة المقدَّرة مع وجود المنصوص عليها ، ومن ذلك قول الباقلاني : « وقد اتفق أهل العلم على أن الحكم الواحد بعينه إذا أطلق في موضع وقُيِّد في موضع كان الحكم لتقييده ، ولم يعتبر إطلاقه ، نحو أن يقول في كفارة القتل : فتحرير رقبة مؤمنة ، ويقول فيها في موضع آخر : فتحرير رقبة ؛ لأن مطلق هذا هو مقيده لعينه ».
وهذا المثال فرضي ، وفي الشرع ما يغني عنه ، كقوله تعالى : ( حرمت عليكم الميتة والدم )[المائدة: ٣]، ورد تقييده في قوله تعالى : ( أو دما مسفوحا)[الأنعام: 145] » .
الثالث :ورود الفروع على سبيل التسامح فيها ، وهم إنما يتسامحون لأجل ما سبق من قصد التصوير والتقريب للقاعدة الأصولية ، فلا يقصد بها تحقيق المثال ، وقد نقل عن بعضهم : « والبحث في المثال ليس من شأن الرجال ».
يقول العلوي الشنقيطي :
والشأن لا يعترض المثال إذ قد كفى الفرض والاحتمال
ومن أمثلة التسامح والخطأ عندهم : « أنهم اشترطوا في القياس ألا يكون الفرع منصوصاً عليه ، ونقلوا الإجماع على هذا الشرط ، والأصوليون لا يزالون يخالفون هذا الشرط في أمثلتهم » .
يقول الزركشي : « ...لكن الناس يمثلون لمفهوم العدد بقوله : (إذا بلغ الماء قلتين) وليس كذلك ؛ لأنه ليس فيه عدد ، والفرق أن العدد يشبه الصفة ، والمعدود يشبه اللقب » .
الرابع : ورود الفروع على سبيل التنظير عليها .
ومن أمثلة ذلك ما ذكره ابن القصار في مقدمته في مسألة العمل عند تعارض الأخبار ، فنقل عن الإمام مالك أنه يقول بالتخيير ، ثم ذكر دليله وأعقبه بموضع الشاهد وهو التنظير فقال : « وصار بمنزلة الكفارة التي دخلها التخيير» .
فلا يُخرَّج التخيير في الكفارة على قاعدة تعارض الأخبار .
الخامس : ورود الفروع في مقام الاعتراض والنقض .
فيأتي بها الخصم لنقض مذهب خصمه في الأصل ، فكيف يُؤتى بها للتفريع عليها ؟!! .
ولا يقال إنها تصلح للقول الآخر ؛ إذ لا يلزم من إيراد الخصم لها القول بها ، بل قد يكون لنقض مذهب الخصم ، دون تصحيح مذهبه .
وأمثلتها كثيرة وظاهرة ، ومنها ما ذكره ابن القصار أيضاً في مقدمته ، معترضاً على مذهب الحنفية في عدم العمل بالقياس في الحدود والكفارات ، فقال : « على أن أصحاب أبي حنيفة – رحمه الله – قد ناقشوا في هذا الأصل ، وعملوا في إيجاب الحدود بالمحتمل ، فقالوا فيمن شهد عليه أربعة بالزنا في أربع زوايا : أنه يجب عليه الحد » ، وذكر جزئيات أخرى اعترض بها على موقف الحنفية من باب النقض .
│
الثلاثاء، 2 يوليو 2019
تخريج الفروع على الأصول من كتب أصول الفقه الممكن والممنوع
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
مقدمة لدراسة السيرة النبوية
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصّلاة والسّلام على نبيِّه ومصطفاه، نبينا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد: فالسيرة النبوية هي : كل م...
-
مسألة: صفة الإرادة لله تعالى صفة الإرادة لله تعالى : نوعها قديم ، وأما الإرادة للشيء المعين فإنما يريده الله في وقته ، فهي من الصفات الذاتية...
-
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد للصلاة والسلام على رسوله ومصطفاه نبينا محمد وعلى آله وصحبه أ...
-
بسم الله الرحمن الرحيم تخريج نازلة التباعد بين المصلين في الصف الواحد على أصلها من خلال فتاوي ابن تيمية رحمه الله . الحمد لله ربّ العالمين ،...
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق