السبت، 20 فبراير 2021

مقدمة لدراسة السيرة النبوية

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، والصّلاة والسّلام على نبيِّه ومصطفاه، نبينا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد: 
فالسيرة النبوية هي : كل ما يتعلق بالنّبي  وأحوال عصره، وأخبار أصحابه؛ لأنّ السيرة فعله  وإقراره لفعل أصحابه رضي الله عنهم.
وهي: تشمل الأمور المتعلقة بذاته وشخصه، كالولادة والنشأة، والزواج والخدم والمتاع.
وتشمل السيرة أمور النّبوة والرسالة، وما يتعلق بالوحي والدّعوة، ومواقف النّاس منها، وتشمل الغزوات والسرايا.
وتشمل: الشمائل المحمدية، وهي الآداب والأخلاق. وكذلك تشمل سيرته: الخصائص التي امتاز به  عن بقية الخلق.
والسيرة النبوية في نطاقها الزماني: تشتمل الفترة من ولادته  عام الفيل، وحتى وفاته في الثّاني عشر من شهر ربيع الأول من السنة الحادية من الهجرة النبوية، وجملتها ثلاث وستون سنة قمرية.
 وتشمل نطاقها المكاني: الجزيرة العربية، ففي مكة ولد ونشأ، ثم هاجر إلى المدينة النّبويّة بعد ثلاث عشرة سنة من النّبوة، وفيها أسس بناء دولة الإسلام، وابتدأ الجهاد حتى فتح مكة وما حولها، ثم أتته الوفود مسلمة ومستسلمة في العام التاسع من الهجرة، ولم ينتقل إلى الرفيق الأعلى حتى كانت الجزيرة كلها خاضعة لسلطان الإسلام وأهلها، إمّا مسلمون، وإمّا معاهدون مسالمون.
والسيرة من حيث الزمن تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: من الولادة حتى البعثة، وتمثل أربعين سنة، ويدرس في هذا القسم: حال العرب، والجزيرة قبل بعثة النبي   وهذا مهم؛ لأنّ من لم يعرف الجاهلية لا يعرف الإسلام وفي هذا القسم كذلك يذكر إرهاصات النبوة.
القسم الثاني: من البعثة ونزول الوحي عليه  في غار حراء حتى هجرته إلى المدينة، وتمثل ثلاثة عشر عامًا، ويسمى بالعهد المكي، وهي عهد التأسيس والدّعوة.
القسم الثالث: من وصوله إلى المدينة في (12) ربيع الأول السنة الأولى من الهجرة حتى وفاته في الثاني عشر من ربيع الأول من السنة الحادية عشر، وتمثل عشر سنوات كاملة، ويسمى بالعهد المدني، وعهد البناء، والجهاد وانتشار الدّعوة، ونزول الأحكام.
وتقسم السيرة من حيث موضوعاتها إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: الشمائل والأخلاق النبوية ويدخل فيه الخصائص التي اختص بها الرسول  عن سائر الرسل، وكذا ما اختص به من أحكام عن سائر الأمة.
القسم الثاني: دلائل النبوة، وهي المعجزات والبراهين على صدقه في النبوة والرسالة، وهي من أهم أقسام السيرة وأنفعها في تقوية الإيمان وتثبيته، وزيادة محبة رسول الله  وطاعته فيما أمر، واجتناب ما نهى عنه وزجر.
القسم الثالث: السير والمغازي، ويدخل فيه معاملاته المختلفة وإقراراته لما يقع بين يديه.

أهمية السيرة:
1) كان الناس مجتمعون مع ابن عباس كل عشية على سيرة النبي  .
2) قال زين الدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب: « كنا نعلم مغازي رسول الله  كما نعلم السورة من القرآن ».
3) قال إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص: كان أبي يعلمنا المغازي والسرايا ".
والمغازي: هي الجيوش التي خرج على رأسها رسول الله  سواء لقي عدوًا أو لا ، وعددها (30) غزوة .
والسرايا:  هي التي  عقد إمرتها النبي  لبعض أصحابه ولم يخرج هو بنفسه، وعددها (70) سرية وبعثاً .
وكان يقول أي: إسماعيل عن أبيه أنّه كان يقول ( يا بني هذا شرف أباءكم فلا تضيعوا ذكرها ).
4) يقول الزهري: " إنّ في السيرة علم الدنيا والآخرة ".
5) وقال ابن حزم: " إن سيرة محمد  لمن تدبرها تقتضي تصديقه ضرورة، وتشهد بأنّه رسول الله  حقا، فلو لم تكن له معجزة غير سيرته  لكفى ".
مقصود ابن حزم: أن سيرته عليه الصلاة والسلام تعتبر أية من آيات نبوته، وعلم من أعلام صدق ما جاء به عليه الصّلاة والسلام، فمن طرق معرفة صدقه   وصدق ما جاء به معرفة سيرته؛ بالنظر إلى ما يدعو، ومعاملته للناس، وأخلاقه يأتي إليه الرجل وليس على وجه الأرض أبغض عليه منه: فما أن يراه ويرى سيرته وهديه وسلوكه إلّا ويتحول من ساعته، وليس على وجه الأرض أحب إليه منه، كما قال ثمامة بن أثال سيّد أهل اليمامة حين أسلم: " يا محمد والله ما كان على وجه الأرض أبغض إلي من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه كلِّها إليّ " رواه أحمد.
ورد عن الجلندي ملك عمان زمن البعثة قوله لعمرو بن العاص عند ما جاءه برسالة من النّبي  : «والله لقد دلني على صدق هذا النّبي الأمي، أنّه لا يأمر بـخيرٍ إلَّا كان أول آخذ به، ولا ينهى عن شيء إلا كان أول تارك له، وأنّه يغلُبُ فلا يبطر، ويُغلَب فلا يهجر، ويفي بالعهد، وينجز الوعد وأشهد أنّه نبي». الإصابة (1/528)
لقد ألف السلف والخلف مؤلفات كثيرة في سيرته تناولت جميع تفاصيل حياته  وذلك غير ما ورد في القرآن والسنة النّبويّة المطهرة والتي خُصِّصَت فيها أبواب في السير والمغازي والأخلاق، بل السنة كلها من سيرته عليه الصلاة والسلام؛ إذ السنة هي قوله أو فعله أو تقريره.

الأهداف والغايات من دراسة السيرة:
ما سبق من أهمية السيرة واهتمام السلف بها، أحد الأسباب الداعية لدراسة السيرة.
ثم إنّ من أهم الأسباب التي تدعونا لدراسة السيرة النبوية، هو التعرف على النبي .
والتعرف عليه هو أحد أصول الإسلام الثلاثة التي يسأل الانسان عنها في قبره، فإن أجاب فقد أفلح.
قال الشّيخ محمد بن عبد الوهاب: « الأصل الثالث: معرفة نبيكم محمد ، وهو: محمد ابن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم، وهاشم من قريش، وقريش من العرب، والعرب من ذرية إسماعيل بن إبراهيم الخليل عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام.
وله من العمر ثلاث وستون سنة، منها: أربعون قبل النبوة، وثلاث وعشرون نبيًا ورسولًا نبئ بــــ ( اقرأ ) وأرسل بـــ  ( المدثر )  وبلده مكة  ... » إلى آخر ما قال.
ويقول ابن القيم في زاد المعاد: « وإذا كانت سعادة العبد في الدارين معلّقة بهدي النبي  فيجب على كل من نصح نفسه، وأحب نجاتها وسعادتها أن يعرف من هديه وسيرته، وشأنه ما يخرجُ به عن الجاهلين به، ويدخل به في عداد أتباعه وشيعته وحزبه، والناس في هذا بين مستقلٍّ ومستكثر ومحروم، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم ». 
إذا من أهم مقاصد دراسة السيرة، التّعرف عليه  ونحن نريد أن نصل من خلال التعرف عليه إلى مقاصد وأهداف أخرى منها:
المقصد الأول: تعظيم النبي  وتوقيره واحترامه وإجلاله، وتعظيمه وتوقيره من أعظم شعب الإيمان، وهذا لا يكون إلّا بالتعرف على سيرته.
وقد كرّمه ربه سبحانه وعظمه وبـجّله، فصلى عليه وملائكته، وأمر النّاس بذلك في قوله تعالى: ﭽ ﭲ  ﭳ  ﭴ  ﭵ   ﭶ  ﭷﭸ  ﭹ  ﭺ   ﭻ  ﭼ  ﭽ  ﭾ  ﭿ  ﭼ الآية
بل وعلّق الفلاح على ذلك في قوله: ﭽ ﮓ  ﮔ  ﮕ  ﮖ  ﮗ  ﮘ   ﮙ   ﮚ    ﮛ  ﮜﮝ  ﮞ  ﮟ  ﮠ  ﭼ 
قال ابن عباس رضي الله عنه: عزروه: حموه ووقروه.
وسيأتي مظاهر كثيرة من توقير الصحابة رضي الله عنهم له عليه الصلاة والسلام عند دراسة سيرته.
وإن من مظاهر تعظيمه: كثرة الصلاة عليه  بإطلاق، وعند ذكره على سبيل الخصوص.
فنحن ندرس السيرة لنقف على نصوص أحداث من تعظيم الله لنبيه وتعظيم أصحابه لتقع عظمته في نفوسنا.
المقصد الثاني: محبة النبي  .
فنحن ندرس سيرته لنحبه  حبًا تتبع العاطفة فيه العلم، وسيقف الدارس لسيرته  على مواقف كثيرة تجعل حبّ النبي  يهجم على قلبك، وقد قيل إنّ المحبة في عادات الناس تحصل بأحد الطرق التالية:
1- إمّا أن تحب الشخص لحسن منظره وجمال خِلقته.
2- أو لكمال خُلقه وآدابه.
3- أو لإسداءه معروف لك.
أمّا الأول والثاني وهما جمال الخِلقة والخلق، فقد تكفلت كتب الشمائل المحمدية بذلك، وسيأتي دراسة لها، وقد كان عليه الصلاة والسلام وجهه كالبدر، وكل من رآه علم صدقه، وعلم أن وجهه ليس بوجه كذاب. 
وخلقه القرآن كما قالت أمنا عائشة رضي الله عنها.
أمّا فضله وإحسانه إلينا، فكل صفحة من صفحات، ولو لم يكن فضله علينا إلّا أن هدانا بفضل الله إلى الإسلام لكفى.
إنّ محبة الرسول  عبادة، وهي شعبة من شعب الإيمان؛ لقوله عليه الصلاة والسلام « لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والنّاس أجمعين ».
أي: لا يكمل إيمان أحدكم، ولا يمكن أن تحصل هذه المحبة إلّا بدارسة سيرته عليه الصلاة والسلام، فدراسة السيرة واجبة.
روى البخاري في صحيحه أنَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله لأنت أحبّ إلي من كل شيء إلا من نفسي، فقال النبي : « لا والذّي نفسي بيده حتى أكون أحبّ إليك من نفسك » فقال له عمر: والله لأنت أحبّ إليّ من نفسي ، فقال النبي  « الآن يا عمر ».    
 المقصد الثالث: من مقاصد دراسة السّيرة الاقتداء بالنّبي .
أولا: طاعته لأمر ربنا عزّ وجلّ  ﭽ ﯯ  ﯰ        ﯱ  ﯲ  ﯳ  ﯴ  ﯵ   ﯶ  ﯷ     ﯸ         ﯹ  ﯺ  ﯻ  ﯼ       ﯽ  ﯾ  ﯿ             ﭼ 
ثانيًا: لأن حياته عليه الصّلاة والسّلام هي أكمل حياة، حياة صنعت على أعين الله تبارك وتعالى؛ لكي تكون نبراسًا لحياتنا.
فالنّبي  هو الميزان الراجح الذي على أقواله وأعماله وأخلاقه توزن الأقوال والأعمال والأخلاق، وسيرته عليه السلام، هي المثل الأعلى للإنسان الكامل كمالا بشريًا، فمن أراد الكمال فليقتد به.
فالنّبي  كان أبًا ، وزوجًا، وقائدًا، وحاكمًا. وعلى الجميع الاقتداء به كلٌ حسب منصبه ، ففي سيرته بيان لكيفية تعامله مع الصغير والكبير والنساء، والأطفال والخدم والقرابة وجميع شرائح المجتمع.
وأخيرًا المقصد الرابع: من دراسة السيرة لكي نستلهم العبر، ففي حياته عظات وعبر، وجميع المقاصد السابقة ترجع إلى هذا المقصد، وهو الذّي سيتمّ التّركيز عليه، حتى نستفيد  من دراسة السّيرة.
اللهم إنّا نسألك حبَّك وحبَّ نبيك، وكل عمل يقربنا إلى ذلك، اللهم احشرنا في زمرة نبينا محمد  وارزقنا شفاعته.
 اللهم صل على محمد وعلى آله كما صليت على إبراهيم إنّك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى إبراهيم إنّك حميد مجيد.
وآخر دعونا أن الحمد لله رب العالمين

الأحد، 15 نوفمبر 2020

تجربتي في البحث العلمي

             بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين ، والصلاة والسلام على نبيه الأمين ، وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، فهذه مشاركة ومداخلة طُلبت مني في ورشة بعنوان تجارب وخبرات في برنامج بكالوريوس الشريعة ، في محور (تجارب في البحث العلمي) ، ومن الجميل نقل التجارب والخبرات للآخرين ، على أن يقوم كل شخص بالإفادة مما يراه مناسباً له ، فبعض تجاربي الناجحة لي قد لا تكون مناسبة للآخر ، وربما استطاع الآخر أن يطورها ويستفيد منها ، فأقول مستعيناً بالله :
١-  استعين بالله دوماً ، واستغفره قبل أن أطلب الاستشارة من أحد من خلقه في موضوع البحث والكتابة فيه ، ولا استشير إلا متخصصاً، وأحسب أنه سليم الصدر ، محب لي الخير ، فإن كل ذي نعمة محسود .
٢- لا أكتب شيئاً غير مقتنع به أبداً ، وأحسب أنني إذا دخلت مكتبة، أو معرض كتاب لا أجد ما أكتب فيه، أو فيه ذلك لكن يحتاج إلى مزيد بحث .
وقد قال العلائي رحمه الله نقلا عن بعض الائمة المتقدمين :" الأقسام السبعة التي لا يؤلف عالم عاقل إلا فيها هي : إما شيء لم يسبق إليه يخترعه ، أو شيء ناقص يتممه، أو شيء مغلق يشرحه، أو شيء طويل يختصره دون أن يخل بشيء من معانيه، أو شيء متفرق يجمعه، أو شيء مختلط يرتبه، أو شيء أخطأ فيه مصنفه يصلحه ".
ونصيحتي هنا إن لم تكن مقتنعاً فلا تقبل ما يرسل إليك من طلب استكتاب، أو مشاركة في بعض الأعمال البحثية ،ولا تكن كالنائحة المستأجرة، ولا تُسَق خلف مشاريع غيرك، و ما يعرض من مؤتمرات أو عمادة البحث العلمي، أو غيرها إن لم تستطع أن تطوع محاوره لبحثك ومشروعك فلا تكتب فيه ، وهذا يتطلب أن تكون عندك مشاريع بحثية لا تخرج عنها .
٣- تخرج أبحاثي من أبحاثي ، فالبحث يولد بحثاً - وهذا أمر طبعي من كان البحث همه - وتخرج أبحاثي من عملي ، فقد جعلت تدريسي تصنيفي ، وتصنيفي تدريسي ، كما ذكر الإسنوي ذلك عن النووي .
وتدريسي أعم من أن يكون في الجامعة أو في غيرها .
أحاول أن يكون تدريسي في المناهج التي تخدم بحوثي ، وكذا الأبحاث التي أشرف عليها أو أناقشها ؛ لأجل أن يكون العمل دافعاً لي للكتابة والبحث .
٤- احترم تخصصي ، ولا أخرج عنه،  بل وأتخصص في بعض فنونه ، وأصبحت أبحاثي الأخيرة تتعلق بربط الفروع والجزئيات بالأصول والكليات ، خدمة لمشروعين كبيرين أسعى في تحقيقهما . 
والمشروعان هما : 
الأول : يتعلق بربط أحكام القرآن بأصولها ، هكذا كان ثمَّ توسع وأصبح يشمل بالإضافة إلى أحكام القرآن : الأحكام العقدية والفقهية للكتب المشهور ،ككتاب التوحيد ، وزاد المستقنع ، وغيرها . 
والمشروع الثاني : مشروع يخدم الكتب القديمة المتعلقة بما يسمى بتخريج الفروع على الأصول ، كتأسيس النظر ، وتخريج الفروع على الأصول للزنجاني ، وتمهيد الإسنوي  .
وقد جعلت مشاريع صغيرة لكل مشروع من تلك المشاريع الكبيرة ، وقطعت – بحمد الله -شوطا كبيراً فيهن فهن هدفي الآن الموصل بعون الله إلى تحقيق المشروعين الكبيرين ، وإن وجدت من يقوم بمشروع من المشاريع الصغيرة ووثقت فيه دفعته إليه ، والدال على الخير كفاعله ، وهو في الحقيقة يخدمني ، والإنسان لن يعيش إلا زمنه ، وقد لا يسع زمنه لتحقيق أهدافه ، لذا هدفي تحقيق تلك المشاريع على يدي أو يد غيري ، والقصد أن التخصص داخل التخصص قد ينقضي العمر ولم تنته من حاجتك ، لكن قد تكون لك بصمة  .
٥- أشتري وقتي بمالي ، فأشتري كل ما يخدمني في البحث من أجهزة خاصة بالقراءة ، ولا أطبع بنفسي إلا نادراً ، أعطي البحث بعد الانتهاء لمن يقوم بمراجعته من الأخطاء المطبعية أو النحوية ، ومن يقوم بصفه وتنسيقه ، أشتري المراجع وأسافر لأطبع رسالة ، أو أنظر فيها ، فأسخر المال لخدمة بحثي .
٦- أنا ابن عصري أتعامل مع القراء بالطرق التي يتواصلون بها وأسخر هذه الوسائل لخدمة بحثي ، فكتابي الجامع البهيج المتعلق بتأصيل تخريج الفروع على الأصول أصله تغريدات في حسابي تخريج الفروع على الأصول ، وفي حسابي في الفيس أو على مدونتي (بلوجر) التابع لجوجل مقالات أصولية ، قصدت بها أن تكون نواة بحث ، وبعض بحوثي إنما هو جمع لتلك المقالات .
وأسخر مفكرة الجوال ، وكذلك جروبات وهمية على الواتساب في خدمة بحثي ، مما يطول شرحه .
٧- عرفت أن البحث شاق، ويحتاج إلى زمن ، والنفس أمارة بالسوء، وتبحث عن الراحة والدعة ، فتحايلت عليها بأمور :
أ- أعمل على أكثر من مشروع في آن واحد ، فإذا مللت من هذا انتقلت الى الآخر ، وأن تعلق بدروسي كانت الأولوية له ، كل ذلك لأدفع السآمة عنها  .
ب- أوزع العمل في المشروع الواحد، وربما كان اليوم للمقارنة بين كتابين ، وغداً للنظر في التعريفات خاصة....الخ
ج-  أضع اسماً مسجوعاً للبحث ، وأبعث به لأحد الخطاطين المهرة ، وأقوم بوضع المسودات فيه ، وتغليفه ، وأراه كأنه منتهي .
واذا كان العمل على كتاب فإني اشتري أحسن الطبعات ، ثم أصوره ، أو اشتري نسختين منه ، وأقوم بتمزيق أحدهما وأجعل بين كل ورقه وورقه ورقه مسطرة من الجانبين، تكون محلاً للتعليق .
د- عرفت أن الواجب علي بذل السبب في تحقيق وإنجاز هذه المشاريع ، وعلمت أن النتيجة بيد الله فسألته أن يبارك في العمل ، وينفع به ، وأن يكون حجة لي لا علي ، وارتاحت نفسي من التعلق الذي قد يسبب لها ثقلاً خشية عدم تحقق تلك الأهداف أو المشاريع ، أو توهم ذلك .
ه- جعلت البحث العلمي سلواناً لي أتسلى به ، بل عادة من عاداتي ، حتى أصبحت أكاد ألا أخرج من مكتبتي فهي جنتي في الدنيا ، وجدت فيها أنواعاً من الورود والفواكه والثمار ، التي تستحق القطف ، فاشتغلت في جني تلك الثمار  .
وأخيراً أسأل الله أن يبارك في أعمارنا ، ويرزقنا الإخلاص في العمل ، وخدمة شرعه ، وأداء الأمانة في زكاة العلم بنشره ، وصلى الله و سلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. 

الجمعة، 23 أكتوبر 2020

السر الرابع من أسرار انتشار مؤلفات الإمام النووي : البعد عن المطولات

بسم الله الرحمن الرحيم
السر الرابع من أسرار انتشار مؤلفات الإمام النووي : البعد عن المطولات
الحمد لله وكفى والصلاة على نبيه المصطفى صلى الله عليه وسلم  وبعد ، فإن من إسرار انتشار مؤلفات الإمام النووي وقبولها لمن أراد اقتفاء أثره : البعد عن المطولات ، والعمد إلى الإيجاز والاختصار ما أمكن ، وإلا فالتوسط ، أما المطولات فطلابها قليل ، ويخصون بشيء من ذلك لا أن تصرف همَّة المؤلف إليه .
فالمؤلف الذي قد اشتغل بالتصنيف لابد أن تكون له مشاريع يروم تحقيقها قبل وفاته ، و(الوقت يضيق عن المهمات) كما قال النووي في المجموع ؛ لذا فإن العاقل الحصيف هو الذي يعلم خير الخيرين ، وأكثرهما نفعاً ، ولا يشتغل بالمهم مع ضيق الوقت عن الأهم  .
وقد نصَّ الإمام النووي – رحمه الله – في مواطن عديدة من مقدمات كتبه على هذا السر ، أعني : البعد عن المطولات ، رغبة منه في انتشار كتبه .
قال رحمه الله في مقدمة صحيح مسلم : " فقد استخرت الله تعالى الكريم الرؤف الرحيم في جمع كتاب شرحه متوسط بين المختصرات والمبسوطات لا من المختصرات المخلات ولا من المطولات المملات ولولا ضعف الهمم وقلة الراغبين وخوف عدم انتشار الكتاب لقلة الطالبين للمطولات لبسطته " .
وقال في مقدمة التبيان في آداب حملة القرآن : " وأوثر فيه الاختصار، وأحاذر التطويل والإكثار...والسبب في إيثار اختصاره، إيثاري حفظه وكثرة الانتفاع به وانتشاره. " .
وبيَّن في مواطن من مقدمات كتبه أن كبر حجم الكتاب يمنع انتشاره ، وأشار إلى بعض الأسباب :
منها : ضعف الهمم ، وقلة الطالبين له ، كما في النص المنقول عنه في مقدمة شرحه لصحيح مسلم .
ومنها : عدم إمكانية اقتناءه لكل أحد من القلة الطالبين ، قال في مقدمة روضة الطالبين عن كتاب شرح الوجيز للرافعي : " وقد عظم انتفاع أهل عصرنا بكتابه لما جمعه من جميل الصفات، ولكنه كبير الحجم لا يقدر على تحصيله أكثر الناس في معظم الأوقات." .
ولأهمية الاختصار في نشر الكتاب قام الإمام النووي باختصار كتبه وكتب غيره ، وهذا كثير في مصنفاته ، وقد اجتمع الأمران في كتاب التقريب والتيسير – المشهور بتقريب النواوي – حيث قال : " وهذا كتاب اختصرته من كتاب " الإرشاد " الذي اختصرته من علوم الحديث للشيخ الإمام الحافظ المتقن المحقق أبي عمرو عثمان بن عبد الرحمن المعروف بابن الصلاح رضي الله عنه، أبالغ فيه في الاختصار إن شاء الله تعالى من غير إخلال بالمقصود " .
ومنهج الإمام النووي في الاختصار في غالب مصنفاته هو نوع تهذيب للمصَنف الذي رام اختصاره ، فربما قدم وأخر ، وحذف واستبدل وزاد ، لكن حجمه يكون أقلَّ من حجم أصله ، بل ربما وصل نصف حجمه ، كما فعل في منهاج الطالبين ، حيث قال : " فرأيت اختصاره في نحو نصف حجمه ليسهل حفظه مع ما أضمه إليه إن شاء الله تعالى من النفائس المستجدات منها التنبيه على قيود في بعض المسائل هي من الأصل محذوفات ..." . 
وقد عرَّف المختصر في مقدمة كتابه دقائق المنهاج بأنه : " مَا قل لَفظه وَكَثُرت مَعَانِيه واستوفيت " .
وتتلخص معالم الاختصار عنده فيما يأتي ، وسأكتفي بإيراد بعض نصوصه ، لتدل على المراد :
1- التركيز على مقصود المؤلف ، وعدم ترك شيء منه . 
2- المبالغة في الإيضاح لمقصود المؤلف .
وهذان المعلمان عامان في جميع مؤلفاته – كما سيأتي – من الأسرار المهمة في قبول مؤلفاته وانتشارها .
ومما يشهد لهما قوله في مقدمة المجموع : " وأما الأحكام فهو مقصود الكتاب ، فأبالغ في إيضاحها بأسهل العبارات..." .
وقال في مقدمة كتابه التحرير في ألفاظ التنبيه : " والتزم فيه المبالغة في الإيضاح مع الاختصار المعتدل ، والضبط المحكم المهذب....." .
وفي مقدمة تقريب النواوي قال : " أبالغ فيه الاختصار – إن شاء الله تعالى – من غير إخلال بالمقصود ، وأحرص على إيضاح العبارة " .
ومما يتبع مقصود المؤلِف : مراعاة المؤّلف لهم في الاختصار ، فحين ألف كتابه الأذكار قال في مقدمته : "فشرعتُ في جمع هذا الكتاب مختصراً مقاصد ما ذكرته تقريباً للمعتنين، وأحذف الأسانيد في معظمه لما ذكرته من إيثار الاختصار، ولكونه موضوعاً للمتعبدين، وليسوا إلى معرفة الأسانيد متطلعين، بل يكرهونه وإن قَصُرَ إلا الأقلّين..." .
3- عدم البسط في المسائل قليلة الفائدة ، والإعراض عن الأدلة الواهية ، أي حذف ما لا يؤثر على مقصود المؤلف .
قال في مقدمة المجموع : " وأبسط الكلام في الأدلة في بعضها وأختصره في بعضها بحسب كثرة الحاجة إلى تلك المسألة وقلتها وأعرض في جميع ذلك عن الأدلة الواهية وإن كانت مشهورة .... وأسلك فيه أيضا مقصودا صحيحا وهو أن ما كان من الأبواب التي لا يعم الانتفاع بها لا أبسط الكلام فيها لقلة الانتفاع بها وذلك ككتاب اللعان وعويص الفرائض وشبه ذلك لكن لا بد من ذكر مقاصدها " .
وقال في مقدمة روضة الطالبين : " وأحذف الأدلة في معظمه وأشير إلى الخفي منها إشارات، وأستوعب جميع فقه الكتاب حتى الوجوه الغربية المنكرات، وأقتصر على الأحكام دون المؤاخذات اللفظيات " .
قلت : وذلك لأن مقصود الكتاب تحقيق المذهب وتنقيحه ، حيث أشار في مقدمته إلى أن المصنفات كثيرة والاختلاف واقع فيها في الاختيار ، ثم قال : "فوفق الله سبحانه وتعالى - وله الحمد - من متأخري أصحابنا من جمع هذه الطرق المختلفات، ونقح المذهب أحسن تنقيح، وجمع منتشره بعبارات وجيزات، وحوى جميع ما وقع له من الكتب المشهورات، وهو الإمام الجليل المبرز المتضلع من علم المذهب أبو القاسم الرافعي" فرام اختصار كتابه ، وبيان المذهب منقحا دون أدلة المسائل  .
4- الإحالة في بسط المسألة إلى كتبه أو كتب غيره .
قال في كتاب بستان العارفين : " وربما يجيء شيء يحتاج إلى بسط لا يحتمله هذا الكتاب، فأذكر مقصوده مختصرا، أو أحيل بسط شرحه إلى كتاب بعض العلماء ذوي البصائر والألباب وربما أحلته على كتاب صنفته أنا " .
وختاماً أقول : من أراد النفع بمؤلفاته وانتشارها فعليه بهذا السر ، وهو البعد عن التطويل ، والعمل على عصر المختصر ، شريطة أن يكون واضحاً محقِّقاً مقصود ما رام التأليف لأجله ، فإن كانت رسالة علمية فلتكن في حجم بحث محكم ، وإن كان بحثاً محكماً فليكن مقالاً ، وليحل إلى بحثه الموسع لمن أراد التوسع ، والله الموفق .

السبت، 20 يونيو 2020

الحكمة في أفعال الله

مسألة: الحكمة في أفعال الله
شرع الله الشرائع من الأوامر والنواهي لغايات مقصودة ، وحِكم محمودة ، وهو سبحانه موصوف بالحِكمة ، وحكمه لا يحيط بها علماً إلا هو سبحانه وتعالى ، وبعضها معلوم للخلق ، وبعضها مما يخفى عليهم .
والمراد بالحِكمة من أفعاله : الغايات المحمودة المقصودة بفعل الله وشرعه ، وهي مقدَّمة في العلم والإرادة ، متأخرة في الوجود والحصول ، أي أنها تترتب على الأقوال والأفعال ، وتحصل بعدها . 
قال شيخ الإسلام رحمه الله : « الله سبحانه حكيم لا يفعل شيئاً عبثاً ، ولا لغير معنى ومصلحة ، وحِكمه هي الغاية المقصودة بالفعل ، بل أفعاله سبحانه صادرة عن حكمة بالغة لأجلها فعل كما فعل ، كما هي ناشئة عن أسباب بها فعل » .
وبيَّن ابن تيميَّة أن الحكمة تتضمن شيئين :
الأول : حكمة تعود إلى الله تعالى يحبها ويرضاها فهي صفة له ، تقوم به ؛ لأن الله لا يوصف إلا بما قام به ، وهي ليست مطلق الإرادة ، وإلا لكان كل مريد حكيماً ، ولا قائل به . 
الثاني : حكمة تعود إلى عباده ، وهي نعمه عليهم يفرحون ويلتذون بها في المأمورات والمخلوقات .
وجعل الحكمة الحاصلة من الشرائع على ثلاثة أنواع ، فقال  : « والحكمة الحاصلة من الشرائع ثلاثة أنواع : 
أحدها : أن يكون الفعل مشتملاً على مصلحة أو مفسدة ، ولو لم يرد الشرع بذلك ، كما يعلم أن العدل مشتمل على مصلحة العالَم ، والظلم يشتمل على فسادهم ، فهذا النوع هو حسن وقبيح ، وقد يعلم بالعقل والشرع ذلك...
النوع الثاني : أن الشارع إذا أمر بشيء صار حسناً ، وإذا نهى عن شيء صار قبيحاً ، واكتسب الفعل صفة الحسن والقبح بخطاب الشرع .
والنوع الثالث : أن يأمر الشارع بشيء ليمتحن العبد ، هل يطيعه أم يعصيه ! ، ولا يكون المراد فعل المأمور به ، كما أمر إبراهيم بذبح ابنه ، فلما أسلما وتله للجبين حصل المقصود ففداه بالذِبح....فالحكمة منشئوها من نفس الأمر لا من نفس المأمور به » .
وهناك نوع رابع ذكره – رحمه الله - في موضع آخر ، وهي الحكمة والمصلحة الحاصلة من الفعل المأمور به والأمر معاً ، وهي أكثر أحكام الشريعة ، كالصلاة والصوم والحج وإقامة الحدود..الخ .
قال رحمه الله : « ...قد تكون الحكمة في المأمور به ، وقد تكون في الأمر ، وقد تكون في كليهما...» .  
إذا تقرر ما سبق فقد بنى على هذا الأصل أصولاً عقدية كبيرة ، ومسائل أصولية ، ومن ذلك :
١ - تكليف ما لا يطاق فيها تفصيل – سبق الإشارة إليه - تحت مسألة القدرة , وينبه هنا إلى أن الحكمة والمصلحة , قد تكون ناشئة من الأمر لا من المأمور به, وتكون الحكمة هي الابتلاء والامتحان ؛ ليعزم على فعله, وليس المراد فعل المأمور به ؛ إذ الحكمة كما سبق تأصيله قد تعود للعبد ، وقد تعود لله ، فهو سبحانه يحب أن يرى عباده طائعين منقادين لأمره ، مجتنبين لنهيه .
٢ - التحسين والتقبيح العقليان, وأثبت رحمه الله أن الحسن يكون للفعل تارة, ويكون منشؤوه الفعل المأمور به, وتارة نفس الأمر , لا من نفس المأمور به, وتارة منهما جميعًا, والعقل قد يستقل بدرك حسن الفعل, أو قبحه, كحسن الإيمان, والعدل والإحسان, وقبح الكفر, كما في النوع الأول, والشرع يزيده حسنًا وقبحًا, وبه يترتب الثواب والعقاب.
وذكر رحمه الله أن العقل قد لا يستقل بذلك, ولا يعرفه مفصلاً في كل فعل بعينه إلا بخطاب الشرع, وكل ما أمر به الشرع فهو حسن, وكل ما نهى عنه فهو قبيح, فالشرع زاد ما حسنه العقل حسنا بالأمر به, وقبَّح ما قبَّحه العقل قبحاً بالنهي عنه.
وقال رحمه الله عن الأوّل: «وقد تكون الحكمة في المأمور به ... فهو إذا أمر به صار فيه حكمتان حكمة في نفسه, وحكمة في الأمر, فيبقى له حسن من جهة نفسه, ومن جهة أمر الشارع, وهو هو الغالب على الشريعة» .
قلت: فتظهر الحكمة في جميع الأقسام إضافة إلى أمر الشارع فالأول والثالث قد ظهر حسنه, وحكمة الشارع في جلب ذلك الحسن والنفع للعباد, أو دفع القبح والفساد عنهم, وأمّا ما كان من القسم الثاني الذي تنشأ مصلحته من الأمر فهو ما سبق, من قصد الابتلاء والامتحان؛ ليعزم على فعله, ثم ينظر للحكمة العائدة إلى الرب والتي يحبها ويرضاها من الخضوع لأمره ونهيه والتسليم له .
 وبيّن شيخ الإسلام أنّ المعتزلة أثبتت الحكمة التي تقع للعباد فقط, كما أنهم لم يفهموا الحكمة التي تنشأ من الأمر سواء كان بنفسه أو مع الحسن الذي أدركه القتل.
٣ - تعليل الأحكام : ولك أن تقول هي هي مسألة الأصل, وإن كان تخصيصها هنا بالأحكام, والقول بتعليل فعله يلزم منه القول بتعليل أمره وحكمه, إذ حكمه وأمره من فعله.
ونبه رحمه الله إلى تناقض من يمنع تعليل أفعال الله, فقال: « والغالب عليهم عند الكلام في الفقه وغيره التعليل, وأما في الأصول: فمنهم من يصرح بالتعليل ومنهم من يأباه».
ويدخل هنا كذا الأسباب -إذ هي من أحكامه الوضعية- ولها أثر في مسبباتها وهي ناشئة عن حكمة, كما سيأتي الحديث عنها.
قال ابن تيمية رحمه الله : « ... أمّا أولا: فإنّ العمل الذي لا مصلحة للعبد فيه, لا يأمر الله به, وهذا بناء على قول السلف: إن الله لـم يخلق ولـم يأمر إلّا لحكمة, كما لـم يخلق ولـم يأمر إلّا لسبب».
٤ - عدم تصور قبول النسخ للأحكام التي هي حسنة بذاتها كالتوحيد والعدل والإحسان, أو التي هي قبيحة بذاتها, كنسخ تحريم الكفر أو الظلم, وذلك لأنّه ليس من الحكمة النهي عن التوحيد, أو الأمر بالكفر والظلم, تعالى الله عن ذلك, وليس ذلك بواجب على الله, بل ذلك هو مقتضى حكمته.
قال ابن تيمية: عمن أجاز ذلك, ونفى كون أفعاله تعلل: « فهذا القول ولوزامه هو أيضًا قول ضعيف مخالف للكتاب والسنة ولإجماع السلف, مع مخالفته للمعقول الصريح, فإنّ الله تنزه عن الفحشاء, فقال: (قل إن الله لا يأمر بالفحشاء) , كما نزّه نفسه عن التسوية بين الخير والشر, فقال: (أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون) ».
وذلك لأنّ نفاة التعليل بالغوا حتى قالوا إنّه يجوز أن يأمر بالشرك, وينهى عن عبادته وحده.
٥ - عدم اشتراط التمكن من إيقاع الفعل في توجه التكليف, فيجوز التكليف بالفعل الذي ينتفي شرط وقوعه عند وقته.
قال ابن تيمية: «وصورتها: أن يقول له إذا جاء الزوال فصل, وهو يعلم أنه يموت قبل الزوال, فعندنا هذا أمر صحيح؛ لأن من أصلنا أن فائدة الأمر تنشأ من نفس الأمر, لا من الفعل المأمور به, فيحصل اعتقاد الوجوب والعزم على الطاعة, ويكون سببه الامتحان والابتلاء ... ويكون فائدته العزم على الطاعة بتقدير القدرة » .
٦ - جواز نسخ الحكم قبل التمكن منه, وقد قال ابن تيمية عقب حديثه عن المسألة السابقة – في أولها - : «والتحقيق أن هذه المسألة من جنس مسألة نسخ الشيء قبل وقت وجوبه » ، وقال في ختمها : « تشبه النسخ قبل التمكن؛ لأن ذلك رفع للحكم بخطاب, وهذا رفع للحكم بتعجيز».
وقال رحمه الله : « ... وإذا كان مقصود الآمر الامتحان للطاعة, فقد يأمر بما ليس بـحسن في نفسه, وينسخه قبل التمكن إذا حصل المقصود من طاعة المأمور وعزمه وانقياده وهذا موجود في أمر الله وأمر الناس بعضهم بعضا» .

مسألة قدرة العبد وأنواعها

مسألة قدرة العبد وأنواعها
ذهب أهل السنة والجماعة إلى أنّ القدرة نوعان: 
نوع قبل الفعل , وهي : توفر الأسباب وسلامة الآلات, وهي المشترطة في التكليف ، التي إذا وجدت في العبد صار مكلفاً ، وتسمى بالقدرة الشرعيَّة ، أو المصححة للفعل ، والمجوِّز له .
ونوع مع الفعل , وهذه القدرة ليست شرطًا في التكليف، وتسمى بالقدرة الكونيَّة ، أو الموجبة للفعل ، والمحققة له .
قال ابن تيمية : « والصواب الذي عليه الكتاب والسنة : أن الاستطاعة متقدمة على الفعل ومقارنة له أيضاً ، وتقارنه استطاعة أخرى لا تصلح لغيره ، فالاستطاعة نوعان : متقدمة صالحة للضدين ، ومقارنة لا تكون إلا مع الفعل ، فتلك هي المصححة للفعل ، المجوزة له ، وهذه هي الموجبة للفعل ، المحققة له .....فالأولى : هي الشرعيَّة التي هي مناط الأمر والنهي ، والثواب والعقاب ، وعليها يتكلم الفقهاء ، وهي الغالبة في عرف الناس . والثانية : هي الكونيّة ، التي هي مناط القضاء والقدر ، وبها يتحقق وجود الفعل ، فالأولى للكلمات الأمريات الشرعيات ، والثانية للكلمات الكونيات ، كما قال : (وصدقت بكلمات ربها وكتبه)» .
ونبَّه رحمه الله في منهاج السنة إلى أن الاستطاعة « المشروطة في الشرع أخص من الاستطاعة التي يمتنع الفعل مع عدمها ، فإن الاستطاعة الشرعية قد تكون مما يتصور الفعل مع عدمها وإن لم يُعجز عنه...فالشارع لا ينظر في الاستطاعة الشرعية إلى مجرد إمكان الفعل ، بل ينظر إلى لوازم ذلك ، فإذا كان الفعل ممكناً مع المفسدة الراجحة لم تكن هذه استطاعة شرعية ، كالذي يقدر أن يحج مع ضرر يلحقه في بدنه أو ماله ، أو يصلي قائماً مع زيادة مرضه...» . 
ويبنى على هذا الأصل مسائل أصول الفقه منها :
١ - مقتضى التكليف فعل وترك ، وقد ذكر رحمه الله أن خطاب التكليف هو « الذي يطلب به من المأمور فعلاً أو تركاً » ، ولما كان ذلك الفعل أو الترك يسبقه عدم , فإنه لا يمنع ذلك من تكليفه إذا وجدت القدرة التي هي مناط التكليف وهي: توفر الأسباب وسلامة الآلات ، فيصادف التكليف شرطه - وهو القدرة - فيجوز التّكليف به.
ونصَّ على ذلك رحمه الله حيث قال رحمه الله في منهاج السنة : « والصواب الذي عليه أئمة الفقه والسنة أن القدرة نوعان : نوع مصحح للفعل يمكن معه الفعل والترك ، وهذه هي التي يتعلق بها الأمر والنهي » 
٢ - صحة توجه التكليف للمكلَّف قبل الفعل , ويستمر أثناء العمل ؛ لأنّه في الحالين لا يخرج عن كونه تكليفًا لقادر ؛ إذ القدرة تكون قبل الفعل ومع الفعل.
قال رحمه الله في منهاج السنة : « والصواب الذي عليه أئمة الفقه والسنة أن القدرة نوعان : نوع مصحح للفعل يمكن معه الفعل والترك ، وهذه هي التي يتعلق بها الأمر والنهي فهذه تحصل للمطيع والعاصي ، وتكون قبل الفعل ، وهذه تبقى إلى حين الفعل....ولكن هذه الاستطاعة مع بقائها إلى حين الفعل لا تكفي في وجود الفعل ، ولو كانت كافية لكان التارك كالفاعل ، بل لا بد من إحداث إعانة أخرى تقارن هذه ، مثل جعل الفاعل مريداً ، فإن الفعل لا يتم إلا بقدرة وإرادة ، والاستطاعة المقارنة للفعل تدخل فيها الإرادة الجازمة ، بخلاف المشروطة في التكليف ، فإنه لا يشترط فيها الإرادة ، والله تعالى يأمر بالفعل من لا يريده ، لكن لا يأمر به من لو أراده لعجز عنه » . 
٣ - يصح تتناول الأمر للمعدوم بشرط وجوده , ونقل شيخ الإسلام عن قوم أنّ الأمر: « يتناول المعدوم ويكون إعلاما لا إلزاما » , وأحال إلى مسألة تعلق التكليف بالفعل قبله أو بعده , كما في المسألة السابقة ، وقال فيها : « وإذا تقدم على الفعل كان أمرًا عندنا على الحقيقة, وإن كان في طيه إيذان وإعلام على ما بينا في أمر المعدوم » .
٤ - فصَّل ابن تيمية – رحمه الله - في تكليف ما لا يطاق ، فقال : « تكليف ما لا يطاق لعجز العبد عنه لا يجوز ، وأما ما يقال إنه لا يطاق للاشتغال بضده فيجوز تكليفه » 
وبيان ذلك : أن القسم الأول انتفى تكليفه لعدم القدرة السابقة ، التي هي مناط التكليف ، بخلاف القسم الثاني فالقدرة السابقة موجودة ، وإنما تركه « لا لاستحالته ولا للعجز عنه, لكن لتركه والاشتغال بضده »، وهذا محال لو قيل إن القدرة لا تكون إلا مقارنة مع لفعل ، وهذا سبب خطأ من أطلق القول بتكليف ما لا يطاق ، كما نصَّ على ذلك شيخ الإسلام ، وقال : « وهؤلاء جعلوا لفظ ما لا يطاق لفظاً عاماً يدخل فيه كل فعل ؛ لكون القدرة عندهم لا تكون إلا مع الفعل....فإذا فُصِّل الأمر عليهم ثبت أن دعواهم جواز ما لا يطاق للعجز عنه – سواء كان ممتنعاً لذاته أو ممكناً – باطلة لا دليل عليها ، وأما جواز تكليف ما يقدر عليه من العبادة – ويقولون هم :إنه لا يكون إلا حين الفعل – فهذا مما اتفق الناس على جواز التكليف به » .
٥ - منع تكليف المكره الذي لا قدرة له مطلقة ، وقد تكلَّم عنه ابن تيمية – رحمه الله - أثناء رده على الجبرية, وأشار إلى أنّ الجبر من الألفاظ المجملة, وأن السلف أنكروا إطلاق الجبر, ثم قال: « ولا قال أحد منهم : إنّ قدرة العبد لا تأثير لها في فعله, أو لا تأثير لها في كسبه, ولا قال أحد منهم : إنّ العبد لا يكون قادرًا إلّا حين الفعل, وإن الاستطاعة على الفعل لا تكون إلّا معه وإنّ العبد لا استطاعة له على الفعل قبل أن يفعله».
وقسَّم الإكراه إلى ثلاث مراتب : « أحدها: من يفعل به الفعل من غير قدرة له على الامتناع ... ومثل هذا ليس فيه أمر ولا نهي؛ ولا عقاب باتفاق العقلاء ... والثانية: أن يكره بضرب أو حبس أو غير ذلك حتى يفعل, فهذا الفعل يتعلق به التكليف فإنه يمكنه أن لا يفعل وإن قتل. ...  وأمّا المكره بحق كالحربي على الإسلام فهذا يلزمه ما أكره عليه باتفاق العلماء » .
فالأول لا قدرة له سابقة - التي وهي مناط التكليف - فهو غير مكلف ، بـخلاف المرتبة الثانية والثالثة – وهي الإكراه بحق - فله قدرة سابقة , تصلح للضدين معًا الفعل والترك فكان مكلَّفاً .
٦ - جواز مقارنة العلّة المعلول, وعدم تقدمها عليه ، وهذا لا يخالف قاعدة الأصل عند ابن تيمية؛ إذ القدرة التي تتقدم على الفعل, هي القدرة الممكنة المشترطة للتكليف, وليست هي علةً للفعل حتى تكون مقارنة له ، وأمّا القدرة التي هي علة للفعل فهي القدرة الميسرة, فلا بد أن تكون مقارنة له .
قال شيخ الإسلام عند حديثه السابق أن القدرة « والاستطاعة المقارنة للفعل تدخل فيها الإرادة الجازمة ، بخلاف المشروطة في التكليف....وإذا اجتمعت الإرادة الجازمة والقوة التامة لزم وجود الفعل ، ولا بد أن يكون هذا المستلزم للفعل مقارناً له ، لا يكفي تقدمه عليه إن لم يقارنه ؛ فإنه العلة التامة للفعل ، والعلة التامة تقارن المعلول ، لا تتقدمه...» .

الأربعاء، 17 يونيو 2020

صفة الإرادة الله عز وجل

مسألة: صفة الإرادة لله تعالى
صفة الإرادة لله تعالى : نوعها قديم ، وأما الإرادة للشيء المعين فإنما يريده الله في وقته ، فهي من الصفات الذاتية الفعليَّة له عز وجل ، وهي على نوعين :
النوع الأول: الإرادة الشرعية الدينية ، وهي المتضمنة للمحبة والرضا.
النوع الثاني: الإرادة الكونية ، وهي التي بمعنى المشيئة ، ويدخل فيها ما يحبه الله عز وجل وما يسخطه .
ولا تلازم بين الإرادتين ، فقد يشاء – الإرادة الكونيَّة – قدراً ما لا يحبه ويرضاه ويقع ، وقد يحب ويرضى – الإرادة الشرعيَّة – ما لا يشاؤه قدراً فلا يقع .
 أما الأمر فإنه ملازم ٌ للإرادة الشرعيَّة ، فما أمر به فقد أحبَّه ورضيه ، وإن لم يشأ ويرد وقوعه قدراً ، وما نهى عنه فقد كرهه وسخطه ، وإن شاء وأراد وقوعه كوناً .
قال رحمه الله : " ينبغي أن يعرف أن الإرادة في كتاب الله على نوعين : أحدهما : الإرادة الكونيَّة ، وهي الإرادة المستلزمة لوقوع المراد ....وأما النوع الثاني : فهو الإرادة الدينيَّة الشرعيَّة ، وهي محبَّة المراد ورضاه ، ومحبَّة أهله والرضا عنهم ....فهذه الإرادة لا تستلزم وقوع المراد ، إلا أن يتعلق به النوع الأول من الإرادة " . 
وقال رحمه الله : " طريقة أئمة الفقهاء وأهل الحديث وكثير من أهل النظر وغيرهم أن الإرادة في كتاب الله نوعان : إرادة تتعلق بالأمر ، وإرادة تتعلق بالخلق ، فالإرادة المتعلقة بالأمر أن يريد من العبد فعل ما أمره به ، وأما إرادة الخلق فأن يريد ما يفعله هو ، فإرادة الأمر هي المتضمنة للمحبَّة والرضا ، وهي الإرادة الدينيَّة ، والثانية المتعلقة بالخلق هي المشيئة ، وهي الإرادة الكونيَّة القدريَّة " . 
ويُبنى على هذا الأصل مسائل أصوليَّة منها :
1- بناء الأحكام التكليفية الخمسة على هذا الأصل ، فالواجب والمندوب ورد الأمر والطلب لهما ، فهما داخلان تحت إرادته الشرعية ، ، وأمره هنا مستلزم لمحبته .
والمحرَّم والمكروه والمباح لم تتعلق به إرادته الشرعيَّة ومحبته ، لعدم الأمر وطلب الفعل فيها ، بل لم يأمر بها ولم يرضها ولم يحبها ، ولكن من الإرادة الشرعية  " قولهم لمن يفعل القبائح : هذا فعل ما لا يريده الله " ، أي ما لا يحبه أو يرده شرعاً . 
أمَّا إرادته الكونية فهي دائرة مع وقوع الفعل وعدمه ، وهي غير مستلزمة لمحبته .
قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة : " ولهذا كانت الأقسام أربعة :
 أحدها : ما تعلقت به الإرادتان ، وهو ما وقع في الوجود من الأعمال الصالحة ، فإنَّ الله أراده إرادةَ دين وشرع ، فأمر به وأحبه ورضيه ، وأراده إرادةَ كون فوقع ، ولولا ذلك لما كان .
والثاني : ما تعلقت به الإرادة الدينيَّة فقط ، وهو ما أمر الله به من الأعمال الصالحة فعصى ذلك الأمرَ الكفارُ والفجار ، فتلك كلها إرادة دين ، وهو يحبها ويرضاها لو وقعت ، ولو لم تقع .
والثالث : ما تعلقت به الإرادة الكونية فقط ، وهو ما قدَّره وشاءه من الحوادث التي لم يأمر بها ، كالمباحات والمعاصي ، فإنَّه لم يأمر بها ولم يرضها ولم يحبها ؛ إذ هو لا يأمر بالفحشاء ، ولا يرضى لعباده الكفر ، ولولا مشيئته وقدرته وخلقه لها لما كانت ، ولما وجدت ، فإنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن .
الرابع : ما لم تتعلق به هذه الإرادة ولا هذه ، فهذا ما لم يكن من أنواع المباحات والمعاصي " .
2- صحة التكليف بما علم الآمر انتفاء شرطه عند وقته  ؛ لأنّه وإن لم يحصل الامتثال إلّا أنّ التكليف به فائدة أخرى وهي ابتلاء عزم المكلف على الفعل ,  ومثلها جواز وقوع النسخ قبل التمكن ؛ لأن الشارع أمر به ولم يرد وقوع المأمور به  شرعاً ، بدليل نسخه قبل التمكن ، ودخل تحت إرادته الكونية .
وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية مسألة جواز أمر المكلف بما يعلم أنه لا يمكن منه ، وقال في أثنائها إنها : " تشبه النسخ قبل التمكن من الفعل " ، ثمَّ بيَّن بناء المسألة على أصلنا فقال : " وينبني على أنه قد يأمر بما لا يريد " .
3- أنَّ الأمرَ يستلزمُ الإرادة الدينيةَ ولا يستلزم الإرادة الكونية ، كما عُرف من قاعدة الأصل ، وبنى عليها كون الطاعة هي موافقة الأمر أو الإرادة الشرعيَّة. 
4- الحكمة من التّكليف قد تكون الامتثال وقد تكون الابتلاء ، وكون الأمر مُلازمًا للإرادة الشّرعيّة دون الإرادة الكونية ، لا يمنع تخلف الأمر عن الإرادة الشرعية ؛ لأنّ الله تعالى قد يأمر بالشيء ولا يريد من المأمور إيقاعه – كما سبق - بل يريد ابتلاء عزمه على الامتثال ، كأمره إبراهيم عليه السّلام بذبح ابنه .

الثلاثاء، 16 يونيو 2020

مسألة كلام الله

مسألة : كلام الله تعالى

كلام الله صفةُ فعل من صفاته سبحانه وتعالى ، قديم النوع ، حادث الآحاد ، يتعلق بمشيئته ، يتكلّم كيف شاء ، متى شاء ، ويتناول اسم الكلام : اللفظ والمعنى جميعاً على سبيل العموم ، بل كل منهما جزء لمسماه ، ودلالته عليهما بطريق المطابقة ، " وهو يتكلَّم به بصوت يسمع ، وأن نوع الكلام أزلي قديم ، وإن لم يجعل الصوت المعيَّن قديماً ، وهذا هو المأثور عن أئمة الحديث والسنة " .

ويبنى عليه من المسائل الأصوليَّة ما يلي :
1- تعريف الحكم الشّرعيّ بأنّه : "خطاب الشارع" ، وبأنه : كلام الله .
قال شيخ الإسلام : " قد يقال : الحكم هو : خطاب الشارع ، وهو : الإيجاب والتحريم منه ، وقد يقال هو : مقتضى الخطاب وموجَبُهُ ، وهو الوجوب والحرمة – مثلاً - ، وقد يقال : المتعلق الذي بين الخطاب والفعل ، والصحيح أن اسم الحكم الشرعي ينطبق على هذه الثلاثة " .
وقال : " فالإيجاب والتحريم يعود إلى خطاب الشارع وكلامه " .
والخطاب والكلام يطلقان عنده على ما يصح أن يسمع ، وما يسمع يكون بصوت وحرف ، وهذا لا يناقض أصله ، وهو المقصود . 
ودلالة (خطاب الله) على السماع – في مسألة الكلام عند المتكلمين – أقوى من دلالة (كلام الله) ، وهذا يعرف من خلال مناقشتهم لتعريف الحكم الشرعي ، وسيأتي في تعريف القرآن بأن الشيخ عرَّفه بأنه (كلام الله) وأثبت أن ذلك بصوت وحرف ، والخطاب كذلك .
2- ‏القول بأن خطاب التكليف يتعلق بالمعدوم ويتناوله بتقدير وجوده على الصفة التي يصح منها تكليفه ، ‏إذا حمل (خطاب الله) ‏في تعريف الحكم على " أنه خطاب لحاضر في العلم ، وإن كان مفقوداً في العين".  [حاشية : وهو تخريج أصل من فرع وبيانه]
3- ‏اعتبار الأسباب الشرعية والعلل مؤثرة في الحكم لا بذاتها ‏وإنما بجعل الشارع إياها موجبة أو مقتضية للحكم.
وقد عرف شيخ الإسلام السبب بأنه "ما يقتضي شرعية الحكم" ثم قال: "وإن توقف على ثبوت شروط وانتفاء موانع" 
أي : إن السبب لا يستقل بالمطلوب وهو حصول الحكم ، بل لابد من حصول الشروط وانتفاء الموانع ، فالسبب جزء من المقتضي للحكم وليس كل المقتضي ؛ وأن تلك الأسباب ليست موجبة على الله ، بل له ‏الخلق والأمر , ولا يقاس بخلقه .
ومثل السبب العلة - وهي هو هنا - وقد ذكر أنها : المعنى المقتضي للحكم ، ‏وإن توقف الحكم على ثبوت شرط ، أو انتفاء مانع ، فهذه لا تُوجد الحكم بل فيها معنى يقتضي وجود الحكم ويطلبه  
ووجه ارتباطها : أنّ من أثبت صفة الكلام لله وجعل الحادث أحاد الكلام - كما هو مذهب أهل السنة - فإنّه لا يمنع أن يقال: إنّ الأسباب والعلل مؤثرة ؛ لأنّه يكون من تعليل الحادث بالحادث فينتفي المحذور الذّي فرّ منه من قال : بأنّ الكلام والأحكام قديمة , والعلل حادثة , ويستحيل عقلًا أن يؤثر الحادث في القديم .
٤-  عّرف القرآن بأنه " كلام الله " ثمَّ قال : " وهو كلام الله حروفه ومعانيه , ليس كلام الله الحروف دون المعاني , ولا المعاني دون الحروف" .
‏وقال رحمه الله : "ولا يجوز إطلاق القول بأنه حكاية عن كلام الله ، ‏أو عبارة عنه ، بل إذا قرأه الناس أو كتبوه في المصاحف ‏لم يخرج بذلك عن أن يكون كلام الله تعالى حقيقة فإن الكلام إنما يضاف حقيقة إلى من قاله مبتدئاً لا إلى من قاله مبلغاً مؤدياً " .
٥-‏ إثبات تفاضل كلام الله في نفسه وذاته ومعناه , فآيات القرآن يفضل بعضها بعضاً , وهو "المأثور عن السلف وعليه الأئمة الأربعة " . 
‏وهو مبني على أن آحاد كلامه من صفاته الفعلية المتعلقة بمشيئته، فلا يزال متكلماً إذا شاء، متى شاء، وعليه فلا يكون معناه معنى واحداً لايتجزأ 
وقد دلّت النصوص على تعدد كلام الله ، فتكون الألفاظ الدالة على تلك المعاني متعددة وليست واحدة .
٦ - عدم جواز ترجمة القرآن ؛ لأن كلام الله حقيقة يشمل اللفظ والمعنى , والمترجَم ليس كلامه لفظاً ، إن سُلِّم بأنه يطابق المعنى . 
٧- صحة تعريف النسخ بأنه رفع للخطاب , ولا محذور فيه , لأن خطابه سبحانه وكلامه صفة فعلية متعلقة بمشيئته , فينسخ ويرفع ما يشاء ويحكم ما يشاء . ‏
قال رحمه الله : " كثير من الناس يقولون ؛ ليس النسخ إلا بيان ما لم يرد باللفظ ، وليس هو رفعاً للحكم ، بل بيان للمراد ، والأكثرون على أن النسخ يتناول الأقسام الثلاثة وكلها واقعة " [والثالث : كقول ابن عباس – رضي الله عنه – هذه الآية منسوخة ، وهو يريد رفع ما يظن من دلالة النص عليه]
٨ - للخبر صيغة ، وللأمر صيغة ، وللعموم صيغة موضوعه لكل واحدة منهم تدل عليه بمجردها على كونه خبراً أو أمراً أو نهياً أو عاماً.. الخ. 
وليس الخبر أو الأمر هو الصيغة فقط ، أو المعنى فقط ، بل الخبر الصيغة (اللفظ) والمعنى جميعاً ؛ لأن الخبر والأمر والعام من الكلام، والكلام اسم يتناول اللفظ والمعنى جميعاً على سبيل الجمع وهو حقيقة فيهما.
٩- مبدأ اللغات توقيف من الله سبحانه وتعالى ، إذ إنه سبحانه كلَّم آدم عليه السلام ، وعلَّمه الأسماء .
قال ابن تيمية : " والذين قالوا إنه توقيفية تنازعوا هل التوقيف بالخطاب ، أو بتعريف ضروري ، أو كليهما ؟ فمن قال : إنها بتوقيف ، وإن التوقيف بالخطاب ، فإنه ينبني على ذلك أن يقال : إنها غير مخلوقة ؛ لأنها كلها من كلام الله تعالى " .
ثمَّ ناقش من يدعي أن الأسماء التي علمها الله تعالى لآدم – عليه السلام – كلّها توقيف ، وقطع بأن في أسماء الأعلام منها ما هو مرتجل ، وضعته الناس ابتداء ، ويكون الخلاف هل علّم الله تعالى آدم أسماء الأجناس كلَّها ؟ والذي اختاره أنّ " الإلهام كاف بالنطق باللغات من غير مواضعة متقدمة، وإذا سمي هذا توقيفاً فليسم توقيفاً " .
والله الموفق .

مقدمة لدراسة السيرة النبوية

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصّلاة والسّلام على نبيِّه ومصطفاه، نبينا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد:  فالسيرة النبوية هي : كل م...