بسم الله الرحمن الرحيم
تخريج نازلة التباعد بين المصلين في الصف الواحد على أصلها من خلال فتاوي ابن تيمية رحمه الله .
الحمد لله ربّ العالمين ، والصلاة والسلام على نبيه الأمين ، وبعد فمن نعم الله علينا ما سمعناه من فتح المساجد ، بعد التعليق الذي دام أكثر من شهرين بسبب جائحة كورونا ، وهذا السماح مشروط باتخاذ الاحترازات الوقائية ، ومنها التباعد بين المصلين في الصف الواحد بما يقارب المترين .
وبعد قراءة ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – في مجموع فتاويه من المجلد الثالث والعشرين ، حول مسألتين هما أصل لهذه النازلة - وهما حكم صلاة الجماعة ، وحكم المصافة والتراص في صلاة الجماعة - للوقوف على أصله عند حدوث تعارض بين المسألتين ، وتنزيل النازلة على ذلك الأصل ، فأقول مستعيناً بالله :
أولاً : أصل شيخ الإسلام – رحمه الله – الذي اعتمد عليه يمكن سوقه على شكلين :
1- إذا تعارض واجبان وتعذر الجمع بينهما قدّم أرجحهما .
قال رحمه الله ص (249) بعد أن ساق الفروع الآتي ذكرها : "وإنما الغرض التنبيه على قواعد الشريعة التي تعرفها القلوب الصحيحة، التي دل عليها قوله تعالى: (فاتقوا الله ما استطعتم) وقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) وأنه إذا تعذر جمع الواجبين قدم أرجحهما، وسقط الآخر بالوجه الشرعي، والتنبيه على ضوابط من مآخذ العلماء رضي الله عنهم"ا.ه
2- قياس الواجبات في الجماعة في سقوطها بالعذر على سقوط واجبات الصلاة ذاتها – من شروط وأركان وواجبات – عند العجز .
قال رحمه الله ص (247) : :"ومن اهتدى لهذا الأصل وهو أن نفس واجبات الصلاة تسقط بالعذر، فكذلك الواجبات في الجماعات ونحوها، فقد هدى لما جاءت به السنة من التوسط بين إهمال بعض واجبات الشريعة رأساً، كما قد يبتلى به بعضهم، وبين الإسراف في ذلك الواجب حتى يفضي إلى ترك غيره من الواجبات التي هي أوكد منه عن العجز عنه، وإن كان ذلك الأوكد مقدوراً عليه، كما قد يبتلى به آخرون. فإن فعل المقدور عليه من ذلك دون المعجوز عنه هو الوسط بين الأمرين".
ثانياً : يشير الأصلان إلى أمور :
1- أن التعارض يكون بين واجبين ، ولا يمكن الحمع بينهما ، وقد تعارض في مسألتنا واجبان ، المصافة والتراص مع تحصيل صلاة الجماعة ، وهما واجبان عند شيخ الإسلام ابن تيمية ، بل يرى أن صلاة الجماعة فرض عين ، وشرط صحة للصلاة .
والمقصود أن التخريج على هذا الأصل لا يستقيم مع القول بأن أحدهما – صلاة الجماعة أو التراص - واجب والآخر سنة ، إذ تقديم الواجب عند تعارضهما هو المتعين .
2- لا بد أن يكون أحدهما أوكد من الآخر ، وشيخ الإسلام يشير تكراراً إلى اتفاق العلماء على أن صلاة الجماعة : " من أوكد العبادات، وأجل الطاعات، وأعظم شعائر الإسلام " ص (222) ، وقال ص(250 -251) : "الصلاة في الجماعات التي تقام في المساجد من شعائر الإسلام الظاهرة، وسنته الهادية. كما في الصحيح عن ابن مسعود أنه قال: (إن هذه الصلوات الخمس في المسجد الذي تقام فيه الصلاة من سنن الهدى، وإن الله شرع لنبيكم سنن الهدى، وإنكم لو صليتم في بيوتكم كما صلى هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقدم كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجال حتى يقام في الصف)"
وتحصيل صلاة الجماعة عنده أوكد من المصافة والتراص ، قال رحمه الله ص (246) : "انفراد الرجل المأموم لحاجة، وهو ما إذا لم يحصل له مكان يصلي فيه إلا منفرداً، فهذا قياس قول أحمد وغيره؛ لأن واجبات الصلاة وغيرها تسقط بالأعذار، فليس الاصطفاف إلا بعض واجباتها، فسقط بالعجز في الجماعة، كما يسقط غيره فيها، وفي متن الصلاة" ، أي داخلها من واجبات وأركان عند العجز .
وخلاصة ما سبق أن نازلتنا على رأي شيخ الإسلام ينظر إليها عند تعذر الجمع بين الواجبين ومن ثمّ يقدم أرجحها، والواجبان هما إما أن تصلى مع المصافة والتراص، ولا يكون هذا في المسجد بل في البيت جماعة، أو يكون السعي الى تحصيل الجماعة ويسقط واجب التصاف والتراص، ولا شك أن شيخ الإسلام يقدم واجب تحصيل الجماعة كما سبق .
ثالثاً : بعض الفروع التي ذكرها شيخ الإسلام تحت هذا الأصل ، تذكر تعضيداً لهذا الأصل ، وتقوية له ، وتخريجا للنازلة عليها ، تخريج فرع على فرع ، أو إلحاق نظير بنظيره ، ومن تلك الفروع واكتفي بأقل الجمع ثلاث ، ويرجع إلى المصدر لمن أراد المزيد :
1- مسألة انفراد المأموم خلف الصف ، فهو إما أن يصلي على حاله منفرداً خلف الصف ويدرك الجماعة ويسقط عنه التصاف ، أو تفوته الجماعة ، ومصلحة تحصيل الجماعة أوكد ، ومثله ما ذكره ص (246) فيمن لم يجد مكاناُ إلا أمام الإمام فيصلي أمامه لتحصيل الجماعة .
2- من الفروع التي أكد عليها شيخ الإسلام – وهو يعتبر من أدلة هذا الأصل – صلاة الخوف جماعة ، فقال رحمه الله ص (246) : "ولهذا كان تحصيل الجماعة في صلاة الخوف والمرض ونحوهما مع استدبار القبلة ، والعمل الكثير ، ومفارقة الإمام ، ومع ترك المريض القيام : أولى "
3- يشترط للجماعة عدالة الامام وكون المكان حِلاً ، ومع ذلك فإن العلماء جوزوا " بل أوجبوا فعل صلوات الجمعة والعيدين والخوف والمناسك ونحو ذلك خلف الأئمة الفاجرين، وفي الأمكنة المغصوبة إذا أفضى ترك ذلك إلى ترك الجمعة والجماعة " ص (246- 247).
أسأل الله بمنه وكرمه أن يرفع عنا هذه الجائحة ، ويتقبل من المسلمين صلاتهم ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .