الجمعة، 23 أكتوبر 2020

السر الرابع من أسرار انتشار مؤلفات الإمام النووي : البعد عن المطولات

بسم الله الرحمن الرحيم
السر الرابع من أسرار انتشار مؤلفات الإمام النووي : البعد عن المطولات
الحمد لله وكفى والصلاة على نبيه المصطفى صلى الله عليه وسلم  وبعد ، فإن من إسرار انتشار مؤلفات الإمام النووي وقبولها لمن أراد اقتفاء أثره : البعد عن المطولات ، والعمد إلى الإيجاز والاختصار ما أمكن ، وإلا فالتوسط ، أما المطولات فطلابها قليل ، ويخصون بشيء من ذلك لا أن تصرف همَّة المؤلف إليه .
فالمؤلف الذي قد اشتغل بالتصنيف لابد أن تكون له مشاريع يروم تحقيقها قبل وفاته ، و(الوقت يضيق عن المهمات) كما قال النووي في المجموع ؛ لذا فإن العاقل الحصيف هو الذي يعلم خير الخيرين ، وأكثرهما نفعاً ، ولا يشتغل بالمهم مع ضيق الوقت عن الأهم  .
وقد نصَّ الإمام النووي – رحمه الله – في مواطن عديدة من مقدمات كتبه على هذا السر ، أعني : البعد عن المطولات ، رغبة منه في انتشار كتبه .
قال رحمه الله في مقدمة صحيح مسلم : " فقد استخرت الله تعالى الكريم الرؤف الرحيم في جمع كتاب شرحه متوسط بين المختصرات والمبسوطات لا من المختصرات المخلات ولا من المطولات المملات ولولا ضعف الهمم وقلة الراغبين وخوف عدم انتشار الكتاب لقلة الطالبين للمطولات لبسطته " .
وقال في مقدمة التبيان في آداب حملة القرآن : " وأوثر فيه الاختصار، وأحاذر التطويل والإكثار...والسبب في إيثار اختصاره، إيثاري حفظه وكثرة الانتفاع به وانتشاره. " .
وبيَّن في مواطن من مقدمات كتبه أن كبر حجم الكتاب يمنع انتشاره ، وأشار إلى بعض الأسباب :
منها : ضعف الهمم ، وقلة الطالبين له ، كما في النص المنقول عنه في مقدمة شرحه لصحيح مسلم .
ومنها : عدم إمكانية اقتناءه لكل أحد من القلة الطالبين ، قال في مقدمة روضة الطالبين عن كتاب شرح الوجيز للرافعي : " وقد عظم انتفاع أهل عصرنا بكتابه لما جمعه من جميل الصفات، ولكنه كبير الحجم لا يقدر على تحصيله أكثر الناس في معظم الأوقات." .
ولأهمية الاختصار في نشر الكتاب قام الإمام النووي باختصار كتبه وكتب غيره ، وهذا كثير في مصنفاته ، وقد اجتمع الأمران في كتاب التقريب والتيسير – المشهور بتقريب النواوي – حيث قال : " وهذا كتاب اختصرته من كتاب " الإرشاد " الذي اختصرته من علوم الحديث للشيخ الإمام الحافظ المتقن المحقق أبي عمرو عثمان بن عبد الرحمن المعروف بابن الصلاح رضي الله عنه، أبالغ فيه في الاختصار إن شاء الله تعالى من غير إخلال بالمقصود " .
ومنهج الإمام النووي في الاختصار في غالب مصنفاته هو نوع تهذيب للمصَنف الذي رام اختصاره ، فربما قدم وأخر ، وحذف واستبدل وزاد ، لكن حجمه يكون أقلَّ من حجم أصله ، بل ربما وصل نصف حجمه ، كما فعل في منهاج الطالبين ، حيث قال : " فرأيت اختصاره في نحو نصف حجمه ليسهل حفظه مع ما أضمه إليه إن شاء الله تعالى من النفائس المستجدات منها التنبيه على قيود في بعض المسائل هي من الأصل محذوفات ..." . 
وقد عرَّف المختصر في مقدمة كتابه دقائق المنهاج بأنه : " مَا قل لَفظه وَكَثُرت مَعَانِيه واستوفيت " .
وتتلخص معالم الاختصار عنده فيما يأتي ، وسأكتفي بإيراد بعض نصوصه ، لتدل على المراد :
1- التركيز على مقصود المؤلف ، وعدم ترك شيء منه . 
2- المبالغة في الإيضاح لمقصود المؤلف .
وهذان المعلمان عامان في جميع مؤلفاته – كما سيأتي – من الأسرار المهمة في قبول مؤلفاته وانتشارها .
ومما يشهد لهما قوله في مقدمة المجموع : " وأما الأحكام فهو مقصود الكتاب ، فأبالغ في إيضاحها بأسهل العبارات..." .
وقال في مقدمة كتابه التحرير في ألفاظ التنبيه : " والتزم فيه المبالغة في الإيضاح مع الاختصار المعتدل ، والضبط المحكم المهذب....." .
وفي مقدمة تقريب النواوي قال : " أبالغ فيه الاختصار – إن شاء الله تعالى – من غير إخلال بالمقصود ، وأحرص على إيضاح العبارة " .
ومما يتبع مقصود المؤلِف : مراعاة المؤّلف لهم في الاختصار ، فحين ألف كتابه الأذكار قال في مقدمته : "فشرعتُ في جمع هذا الكتاب مختصراً مقاصد ما ذكرته تقريباً للمعتنين، وأحذف الأسانيد في معظمه لما ذكرته من إيثار الاختصار، ولكونه موضوعاً للمتعبدين، وليسوا إلى معرفة الأسانيد متطلعين، بل يكرهونه وإن قَصُرَ إلا الأقلّين..." .
3- عدم البسط في المسائل قليلة الفائدة ، والإعراض عن الأدلة الواهية ، أي حذف ما لا يؤثر على مقصود المؤلف .
قال في مقدمة المجموع : " وأبسط الكلام في الأدلة في بعضها وأختصره في بعضها بحسب كثرة الحاجة إلى تلك المسألة وقلتها وأعرض في جميع ذلك عن الأدلة الواهية وإن كانت مشهورة .... وأسلك فيه أيضا مقصودا صحيحا وهو أن ما كان من الأبواب التي لا يعم الانتفاع بها لا أبسط الكلام فيها لقلة الانتفاع بها وذلك ككتاب اللعان وعويص الفرائض وشبه ذلك لكن لا بد من ذكر مقاصدها " .
وقال في مقدمة روضة الطالبين : " وأحذف الأدلة في معظمه وأشير إلى الخفي منها إشارات، وأستوعب جميع فقه الكتاب حتى الوجوه الغربية المنكرات، وأقتصر على الأحكام دون المؤاخذات اللفظيات " .
قلت : وذلك لأن مقصود الكتاب تحقيق المذهب وتنقيحه ، حيث أشار في مقدمته إلى أن المصنفات كثيرة والاختلاف واقع فيها في الاختيار ، ثم قال : "فوفق الله سبحانه وتعالى - وله الحمد - من متأخري أصحابنا من جمع هذه الطرق المختلفات، ونقح المذهب أحسن تنقيح، وجمع منتشره بعبارات وجيزات، وحوى جميع ما وقع له من الكتب المشهورات، وهو الإمام الجليل المبرز المتضلع من علم المذهب أبو القاسم الرافعي" فرام اختصار كتابه ، وبيان المذهب منقحا دون أدلة المسائل  .
4- الإحالة في بسط المسألة إلى كتبه أو كتب غيره .
قال في كتاب بستان العارفين : " وربما يجيء شيء يحتاج إلى بسط لا يحتمله هذا الكتاب، فأذكر مقصوده مختصرا، أو أحيل بسط شرحه إلى كتاب بعض العلماء ذوي البصائر والألباب وربما أحلته على كتاب صنفته أنا " .
وختاماً أقول : من أراد النفع بمؤلفاته وانتشارها فعليه بهذا السر ، وهو البعد عن التطويل ، والعمل على عصر المختصر ، شريطة أن يكون واضحاً محقِّقاً مقصود ما رام التأليف لأجله ، فإن كانت رسالة علمية فلتكن في حجم بحث محكم ، وإن كان بحثاً محكماً فليكن مقالاً ، وليحل إلى بحثه الموسع لمن أراد التوسع ، والله الموفق .

مقدمة لدراسة السيرة النبوية

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصّلاة والسّلام على نبيِّه ومصطفاه، نبينا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد:  فالسيرة النبوية هي : كل م...