الأربعاء، 17 يونيو 2020

صفة الإرادة الله عز وجل

مسألة: صفة الإرادة لله تعالى
صفة الإرادة لله تعالى : نوعها قديم ، وأما الإرادة للشيء المعين فإنما يريده الله في وقته ، فهي من الصفات الذاتية الفعليَّة له عز وجل ، وهي على نوعين :
النوع الأول: الإرادة الشرعية الدينية ، وهي المتضمنة للمحبة والرضا.
النوع الثاني: الإرادة الكونية ، وهي التي بمعنى المشيئة ، ويدخل فيها ما يحبه الله عز وجل وما يسخطه .
ولا تلازم بين الإرادتين ، فقد يشاء – الإرادة الكونيَّة – قدراً ما لا يحبه ويرضاه ويقع ، وقد يحب ويرضى – الإرادة الشرعيَّة – ما لا يشاؤه قدراً فلا يقع .
 أما الأمر فإنه ملازم ٌ للإرادة الشرعيَّة ، فما أمر به فقد أحبَّه ورضيه ، وإن لم يشأ ويرد وقوعه قدراً ، وما نهى عنه فقد كرهه وسخطه ، وإن شاء وأراد وقوعه كوناً .
قال رحمه الله : " ينبغي أن يعرف أن الإرادة في كتاب الله على نوعين : أحدهما : الإرادة الكونيَّة ، وهي الإرادة المستلزمة لوقوع المراد ....وأما النوع الثاني : فهو الإرادة الدينيَّة الشرعيَّة ، وهي محبَّة المراد ورضاه ، ومحبَّة أهله والرضا عنهم ....فهذه الإرادة لا تستلزم وقوع المراد ، إلا أن يتعلق به النوع الأول من الإرادة " . 
وقال رحمه الله : " طريقة أئمة الفقهاء وأهل الحديث وكثير من أهل النظر وغيرهم أن الإرادة في كتاب الله نوعان : إرادة تتعلق بالأمر ، وإرادة تتعلق بالخلق ، فالإرادة المتعلقة بالأمر أن يريد من العبد فعل ما أمره به ، وأما إرادة الخلق فأن يريد ما يفعله هو ، فإرادة الأمر هي المتضمنة للمحبَّة والرضا ، وهي الإرادة الدينيَّة ، والثانية المتعلقة بالخلق هي المشيئة ، وهي الإرادة الكونيَّة القدريَّة " . 
ويُبنى على هذا الأصل مسائل أصوليَّة منها :
1- بناء الأحكام التكليفية الخمسة على هذا الأصل ، فالواجب والمندوب ورد الأمر والطلب لهما ، فهما داخلان تحت إرادته الشرعية ، ، وأمره هنا مستلزم لمحبته .
والمحرَّم والمكروه والمباح لم تتعلق به إرادته الشرعيَّة ومحبته ، لعدم الأمر وطلب الفعل فيها ، بل لم يأمر بها ولم يرضها ولم يحبها ، ولكن من الإرادة الشرعية  " قولهم لمن يفعل القبائح : هذا فعل ما لا يريده الله " ، أي ما لا يحبه أو يرده شرعاً . 
أمَّا إرادته الكونية فهي دائرة مع وقوع الفعل وعدمه ، وهي غير مستلزمة لمحبته .
قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة : " ولهذا كانت الأقسام أربعة :
 أحدها : ما تعلقت به الإرادتان ، وهو ما وقع في الوجود من الأعمال الصالحة ، فإنَّ الله أراده إرادةَ دين وشرع ، فأمر به وأحبه ورضيه ، وأراده إرادةَ كون فوقع ، ولولا ذلك لما كان .
والثاني : ما تعلقت به الإرادة الدينيَّة فقط ، وهو ما أمر الله به من الأعمال الصالحة فعصى ذلك الأمرَ الكفارُ والفجار ، فتلك كلها إرادة دين ، وهو يحبها ويرضاها لو وقعت ، ولو لم تقع .
والثالث : ما تعلقت به الإرادة الكونية فقط ، وهو ما قدَّره وشاءه من الحوادث التي لم يأمر بها ، كالمباحات والمعاصي ، فإنَّه لم يأمر بها ولم يرضها ولم يحبها ؛ إذ هو لا يأمر بالفحشاء ، ولا يرضى لعباده الكفر ، ولولا مشيئته وقدرته وخلقه لها لما كانت ، ولما وجدت ، فإنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن .
الرابع : ما لم تتعلق به هذه الإرادة ولا هذه ، فهذا ما لم يكن من أنواع المباحات والمعاصي " .
2- صحة التكليف بما علم الآمر انتفاء شرطه عند وقته  ؛ لأنّه وإن لم يحصل الامتثال إلّا أنّ التكليف به فائدة أخرى وهي ابتلاء عزم المكلف على الفعل ,  ومثلها جواز وقوع النسخ قبل التمكن ؛ لأن الشارع أمر به ولم يرد وقوع المأمور به  شرعاً ، بدليل نسخه قبل التمكن ، ودخل تحت إرادته الكونية .
وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية مسألة جواز أمر المكلف بما يعلم أنه لا يمكن منه ، وقال في أثنائها إنها : " تشبه النسخ قبل التمكن من الفعل " ، ثمَّ بيَّن بناء المسألة على أصلنا فقال : " وينبني على أنه قد يأمر بما لا يريد " .
3- أنَّ الأمرَ يستلزمُ الإرادة الدينيةَ ولا يستلزم الإرادة الكونية ، كما عُرف من قاعدة الأصل ، وبنى عليها كون الطاعة هي موافقة الأمر أو الإرادة الشرعيَّة. 
4- الحكمة من التّكليف قد تكون الامتثال وقد تكون الابتلاء ، وكون الأمر مُلازمًا للإرادة الشّرعيّة دون الإرادة الكونية ، لا يمنع تخلف الأمر عن الإرادة الشرعية ؛ لأنّ الله تعالى قد يأمر بالشيء ولا يريد من المأمور إيقاعه – كما سبق - بل يريد ابتلاء عزمه على الامتثال ، كأمره إبراهيم عليه السّلام بذبح ابنه .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مقدمة لدراسة السيرة النبوية

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصّلاة والسّلام على نبيِّه ومصطفاه، نبينا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد:  فالسيرة النبوية هي : كل م...