السبت، 20 فبراير 2021

مقدمة لدراسة السيرة النبوية

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، والصّلاة والسّلام على نبيِّه ومصطفاه، نبينا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد: 
فالسيرة النبوية هي : كل ما يتعلق بالنّبي  وأحوال عصره، وأخبار أصحابه؛ لأنّ السيرة فعله  وإقراره لفعل أصحابه رضي الله عنهم.
وهي: تشمل الأمور المتعلقة بذاته وشخصه، كالولادة والنشأة، والزواج والخدم والمتاع.
وتشمل السيرة أمور النّبوة والرسالة، وما يتعلق بالوحي والدّعوة، ومواقف النّاس منها، وتشمل الغزوات والسرايا.
وتشمل: الشمائل المحمدية، وهي الآداب والأخلاق. وكذلك تشمل سيرته: الخصائص التي امتاز به  عن بقية الخلق.
والسيرة النبوية في نطاقها الزماني: تشتمل الفترة من ولادته  عام الفيل، وحتى وفاته في الثّاني عشر من شهر ربيع الأول من السنة الحادية من الهجرة النبوية، وجملتها ثلاث وستون سنة قمرية.
 وتشمل نطاقها المكاني: الجزيرة العربية، ففي مكة ولد ونشأ، ثم هاجر إلى المدينة النّبويّة بعد ثلاث عشرة سنة من النّبوة، وفيها أسس بناء دولة الإسلام، وابتدأ الجهاد حتى فتح مكة وما حولها، ثم أتته الوفود مسلمة ومستسلمة في العام التاسع من الهجرة، ولم ينتقل إلى الرفيق الأعلى حتى كانت الجزيرة كلها خاضعة لسلطان الإسلام وأهلها، إمّا مسلمون، وإمّا معاهدون مسالمون.
والسيرة من حيث الزمن تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: من الولادة حتى البعثة، وتمثل أربعين سنة، ويدرس في هذا القسم: حال العرب، والجزيرة قبل بعثة النبي   وهذا مهم؛ لأنّ من لم يعرف الجاهلية لا يعرف الإسلام وفي هذا القسم كذلك يذكر إرهاصات النبوة.
القسم الثاني: من البعثة ونزول الوحي عليه  في غار حراء حتى هجرته إلى المدينة، وتمثل ثلاثة عشر عامًا، ويسمى بالعهد المكي، وهي عهد التأسيس والدّعوة.
القسم الثالث: من وصوله إلى المدينة في (12) ربيع الأول السنة الأولى من الهجرة حتى وفاته في الثاني عشر من ربيع الأول من السنة الحادية عشر، وتمثل عشر سنوات كاملة، ويسمى بالعهد المدني، وعهد البناء، والجهاد وانتشار الدّعوة، ونزول الأحكام.
وتقسم السيرة من حيث موضوعاتها إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: الشمائل والأخلاق النبوية ويدخل فيه الخصائص التي اختص بها الرسول  عن سائر الرسل، وكذا ما اختص به من أحكام عن سائر الأمة.
القسم الثاني: دلائل النبوة، وهي المعجزات والبراهين على صدقه في النبوة والرسالة، وهي من أهم أقسام السيرة وأنفعها في تقوية الإيمان وتثبيته، وزيادة محبة رسول الله  وطاعته فيما أمر، واجتناب ما نهى عنه وزجر.
القسم الثالث: السير والمغازي، ويدخل فيه معاملاته المختلفة وإقراراته لما يقع بين يديه.

أهمية السيرة:
1) كان الناس مجتمعون مع ابن عباس كل عشية على سيرة النبي  .
2) قال زين الدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب: « كنا نعلم مغازي رسول الله  كما نعلم السورة من القرآن ».
3) قال إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص: كان أبي يعلمنا المغازي والسرايا ".
والمغازي: هي الجيوش التي خرج على رأسها رسول الله  سواء لقي عدوًا أو لا ، وعددها (30) غزوة .
والسرايا:  هي التي  عقد إمرتها النبي  لبعض أصحابه ولم يخرج هو بنفسه، وعددها (70) سرية وبعثاً .
وكان يقول أي: إسماعيل عن أبيه أنّه كان يقول ( يا بني هذا شرف أباءكم فلا تضيعوا ذكرها ).
4) يقول الزهري: " إنّ في السيرة علم الدنيا والآخرة ".
5) وقال ابن حزم: " إن سيرة محمد  لمن تدبرها تقتضي تصديقه ضرورة، وتشهد بأنّه رسول الله  حقا، فلو لم تكن له معجزة غير سيرته  لكفى ".
مقصود ابن حزم: أن سيرته عليه الصلاة والسلام تعتبر أية من آيات نبوته، وعلم من أعلام صدق ما جاء به عليه الصّلاة والسلام، فمن طرق معرفة صدقه   وصدق ما جاء به معرفة سيرته؛ بالنظر إلى ما يدعو، ومعاملته للناس، وأخلاقه يأتي إليه الرجل وليس على وجه الأرض أبغض عليه منه: فما أن يراه ويرى سيرته وهديه وسلوكه إلّا ويتحول من ساعته، وليس على وجه الأرض أحب إليه منه، كما قال ثمامة بن أثال سيّد أهل اليمامة حين أسلم: " يا محمد والله ما كان على وجه الأرض أبغض إلي من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه كلِّها إليّ " رواه أحمد.
ورد عن الجلندي ملك عمان زمن البعثة قوله لعمرو بن العاص عند ما جاءه برسالة من النّبي  : «والله لقد دلني على صدق هذا النّبي الأمي، أنّه لا يأمر بـخيرٍ إلَّا كان أول آخذ به، ولا ينهى عن شيء إلا كان أول تارك له، وأنّه يغلُبُ فلا يبطر، ويُغلَب فلا يهجر، ويفي بالعهد، وينجز الوعد وأشهد أنّه نبي». الإصابة (1/528)
لقد ألف السلف والخلف مؤلفات كثيرة في سيرته تناولت جميع تفاصيل حياته  وذلك غير ما ورد في القرآن والسنة النّبويّة المطهرة والتي خُصِّصَت فيها أبواب في السير والمغازي والأخلاق، بل السنة كلها من سيرته عليه الصلاة والسلام؛ إذ السنة هي قوله أو فعله أو تقريره.

الأهداف والغايات من دراسة السيرة:
ما سبق من أهمية السيرة واهتمام السلف بها، أحد الأسباب الداعية لدراسة السيرة.
ثم إنّ من أهم الأسباب التي تدعونا لدراسة السيرة النبوية، هو التعرف على النبي .
والتعرف عليه هو أحد أصول الإسلام الثلاثة التي يسأل الانسان عنها في قبره، فإن أجاب فقد أفلح.
قال الشّيخ محمد بن عبد الوهاب: « الأصل الثالث: معرفة نبيكم محمد ، وهو: محمد ابن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم، وهاشم من قريش، وقريش من العرب، والعرب من ذرية إسماعيل بن إبراهيم الخليل عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام.
وله من العمر ثلاث وستون سنة، منها: أربعون قبل النبوة، وثلاث وعشرون نبيًا ورسولًا نبئ بــــ ( اقرأ ) وأرسل بـــ  ( المدثر )  وبلده مكة  ... » إلى آخر ما قال.
ويقول ابن القيم في زاد المعاد: « وإذا كانت سعادة العبد في الدارين معلّقة بهدي النبي  فيجب على كل من نصح نفسه، وأحب نجاتها وسعادتها أن يعرف من هديه وسيرته، وشأنه ما يخرجُ به عن الجاهلين به، ويدخل به في عداد أتباعه وشيعته وحزبه، والناس في هذا بين مستقلٍّ ومستكثر ومحروم، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم ». 
إذا من أهم مقاصد دراسة السيرة، التّعرف عليه  ونحن نريد أن نصل من خلال التعرف عليه إلى مقاصد وأهداف أخرى منها:
المقصد الأول: تعظيم النبي  وتوقيره واحترامه وإجلاله، وتعظيمه وتوقيره من أعظم شعب الإيمان، وهذا لا يكون إلّا بالتعرف على سيرته.
وقد كرّمه ربه سبحانه وعظمه وبـجّله، فصلى عليه وملائكته، وأمر النّاس بذلك في قوله تعالى: ﭽ ﭲ  ﭳ  ﭴ  ﭵ   ﭶ  ﭷﭸ  ﭹ  ﭺ   ﭻ  ﭼ  ﭽ  ﭾ  ﭿ  ﭼ الآية
بل وعلّق الفلاح على ذلك في قوله: ﭽ ﮓ  ﮔ  ﮕ  ﮖ  ﮗ  ﮘ   ﮙ   ﮚ    ﮛ  ﮜﮝ  ﮞ  ﮟ  ﮠ  ﭼ 
قال ابن عباس رضي الله عنه: عزروه: حموه ووقروه.
وسيأتي مظاهر كثيرة من توقير الصحابة رضي الله عنهم له عليه الصلاة والسلام عند دراسة سيرته.
وإن من مظاهر تعظيمه: كثرة الصلاة عليه  بإطلاق، وعند ذكره على سبيل الخصوص.
فنحن ندرس السيرة لنقف على نصوص أحداث من تعظيم الله لنبيه وتعظيم أصحابه لتقع عظمته في نفوسنا.
المقصد الثاني: محبة النبي  .
فنحن ندرس سيرته لنحبه  حبًا تتبع العاطفة فيه العلم، وسيقف الدارس لسيرته  على مواقف كثيرة تجعل حبّ النبي  يهجم على قلبك، وقد قيل إنّ المحبة في عادات الناس تحصل بأحد الطرق التالية:
1- إمّا أن تحب الشخص لحسن منظره وجمال خِلقته.
2- أو لكمال خُلقه وآدابه.
3- أو لإسداءه معروف لك.
أمّا الأول والثاني وهما جمال الخِلقة والخلق، فقد تكفلت كتب الشمائل المحمدية بذلك، وسيأتي دراسة لها، وقد كان عليه الصلاة والسلام وجهه كالبدر، وكل من رآه علم صدقه، وعلم أن وجهه ليس بوجه كذاب. 
وخلقه القرآن كما قالت أمنا عائشة رضي الله عنها.
أمّا فضله وإحسانه إلينا، فكل صفحة من صفحات، ولو لم يكن فضله علينا إلّا أن هدانا بفضل الله إلى الإسلام لكفى.
إنّ محبة الرسول  عبادة، وهي شعبة من شعب الإيمان؛ لقوله عليه الصلاة والسلام « لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والنّاس أجمعين ».
أي: لا يكمل إيمان أحدكم، ولا يمكن أن تحصل هذه المحبة إلّا بدارسة سيرته عليه الصلاة والسلام، فدراسة السيرة واجبة.
روى البخاري في صحيحه أنَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله لأنت أحبّ إلي من كل شيء إلا من نفسي، فقال النبي : « لا والذّي نفسي بيده حتى أكون أحبّ إليك من نفسك » فقال له عمر: والله لأنت أحبّ إليّ من نفسي ، فقال النبي  « الآن يا عمر ».    
 المقصد الثالث: من مقاصد دراسة السّيرة الاقتداء بالنّبي .
أولا: طاعته لأمر ربنا عزّ وجلّ  ﭽ ﯯ  ﯰ        ﯱ  ﯲ  ﯳ  ﯴ  ﯵ   ﯶ  ﯷ     ﯸ         ﯹ  ﯺ  ﯻ  ﯼ       ﯽ  ﯾ  ﯿ             ﭼ 
ثانيًا: لأن حياته عليه الصّلاة والسّلام هي أكمل حياة، حياة صنعت على أعين الله تبارك وتعالى؛ لكي تكون نبراسًا لحياتنا.
فالنّبي  هو الميزان الراجح الذي على أقواله وأعماله وأخلاقه توزن الأقوال والأعمال والأخلاق، وسيرته عليه السلام، هي المثل الأعلى للإنسان الكامل كمالا بشريًا، فمن أراد الكمال فليقتد به.
فالنّبي  كان أبًا ، وزوجًا، وقائدًا، وحاكمًا. وعلى الجميع الاقتداء به كلٌ حسب منصبه ، ففي سيرته بيان لكيفية تعامله مع الصغير والكبير والنساء، والأطفال والخدم والقرابة وجميع شرائح المجتمع.
وأخيرًا المقصد الرابع: من دراسة السيرة لكي نستلهم العبر، ففي حياته عظات وعبر، وجميع المقاصد السابقة ترجع إلى هذا المقصد، وهو الذّي سيتمّ التّركيز عليه، حتى نستفيد  من دراسة السّيرة.
اللهم إنّا نسألك حبَّك وحبَّ نبيك، وكل عمل يقربنا إلى ذلك، اللهم احشرنا في زمرة نبينا محمد  وارزقنا شفاعته.
 اللهم صل على محمد وعلى آله كما صليت على إبراهيم إنّك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى إبراهيم إنّك حميد مجيد.
وآخر دعونا أن الحمد لله رب العالمين

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مقدمة لدراسة السيرة النبوية

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصّلاة والسّلام على نبيِّه ومصطفاه، نبينا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد:  فالسيرة النبوية هي : كل م...