بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد للصلاة والسلام على رسوله ومصطفاه نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، فهذه ورقة علمية أردت إلقاء الضوء فيها على مسألة حكم صلاة العيد في البيوت من خلال ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – في فتياه عند حديثه عن اشتراط الإقامة والاستيطان لصلاتي الجمعة والعيدين ، هل يشترط أم يجوز فعلهما في السفر ؟ (24/177-186) .
ولا جديد في هذه الورقة سوى الرغبة في إيضاح رؤية شيخ الإسلام حولها ، وأثرها في النازلة .
وقبل بيان ذلك أود التنبيه إلى أمرين :
الأول : الأولى في تخريج النوازل العصرية على المذاهب ، كل على مذهبه ، فيتلمس الفرع القريب الذي يمكن تخريج النازلة عليها ، وإلا ينتقل إلى قواعد وأصول ذلك المذهب ؛ إذ التخريج على المذهب أضبط من التخريج على قواعد الشرع .
الثاني : شيخ الإسلام صاحب مذهب ضبط أصوله ، ولم تضطرب فروعه ، وهو علم من أعلام المسلمين ، والتخريج على فروعه وأصوله أضبط من بعض المذاهب التي قد يتعدد القول في فرعه وأصله .
وبعد : فيمكن تلخيص رأيه – رحمه الله – في النقاط التالية :
أولاً : جعل صلاة العيد من جنس صلاة الجمعة ، وقد قال ص (179) : " ... فعلم أن العيد كان عندهم [أي الصحابة ] من جنس الجمعة لا من جنس التطوع المطلق ولا من جنس صلاة الجنازة " ، والمذكور نوع تخريج وتكييف ، وما بعده سيكون مبنياً عليه .
ثانياَ : من شروط التخريج عدم الفارق المؤثر بين الفرعين ، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – أموراً كثيرة تجعل العيد من جنس الجمعة منها : ما سيق السؤال عنه وهو كون الإقامة شرطاً للجمعة والعيد ، حيث قال : " تنازع الناس في " صلاة الجمعة والعيدين " هل تشترط لهما الإقامة أم تفعل في السفر؟ " ، وقد نسب شيخ الإسلام شرط الإقامة للأكثرين ص (177) ، ثم ختم الأقوال بقوله ص (178) : " والصواب بلا ريب هو القول الأول وهو أن ذلك ليس بمشروع للمسافر" ، أي صلاتي الجمعة والعيد ، وذكر أدلته ، وختمها بقوله ص (179) : "فقد دخل مكة عام الفتح ودخلها في شهر رمضان فأدرك فيها عيد الفطر ولم يصل بها يوم العيد صلاة العيد ولم ينقل ذلك مسلم. ومن المعلوم أنهم لو كان صلى بهم صلاة العيد بمكة مع كثرة المسلمين معه كانوا أكثر من عشرة آلاف لكان هذا من أعظم ما تتوفر الهمم والدواعي على نقله ، وكذلك بدر كانت في شهر رمضان وأدركه يوم العيد في السفر ولم يصل صلاة عيد في السفر" .
وكذا من الأمور التي تدل على أن العيد من جنس الجمعة ما قاله ص (179) : " وأيضا فإنه لم يكن أحد يصلي صلاة العيد بالمدينة إلا معه ، كما لم يكونوا يصلون الجمعة إلا معه ، وكان بالمدينة مساجد كثيرة لكل دار من دور الأنصار مسجد ، ولهم إمام يصلي بهم ، والأئمة يصلون بهم الصلوات الخمس ، ولم يكونوا يصلون بهم لا جمعة ولا عيدا" ، ثم قال ما سبق : " فعلم أن العيد كان عندهم من جنس الجمعة "
ثالثاً : يؤكد ابن تيمية – رحمه الله – كون العيد ملحقاً بالجمعة بأثر علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – أنه استخلف من يصلي العيد بالضعفاء في المسجد الجامع ، وقد ذكره في سياق بيانه أن بعض فروض الكفايات تشرع لآحاد الناس كما تشرع لجماعتهم ، بخلاف العيد فإنه لا يشرع إلا جماعة ، فقال : " فلما كان الاستسقاء يشرع بغير صلاة ولا خطبة ولآحاد الناس لم يلحق بالعيد" ، وكذا عند عدم شرعية صلاة العيد في البيت للمرأة القادرة على الخروج إلى المصلى ، حيث قال ص(181): " وأيضا لو كان ذلك [أي صلاتها في بيتها]جائزا لفعله النساء على عهده كما كن يصلين التطوعات ، فلما لم ينقل أحد أن أحدا من النساء صلى العيد على عهده في البيت ولا من الرجال بل كن يخرجن بأمره إلى المصلى علم أن ذلك ليس من شرعه"
ووجه الاستشهاد بأثر علي – رضي الله عنه – على وجوب صلاتها جماعة قول ابن تيمية ص (181) : " فلو كان الواحد يفعلها لم يحتج إلى الاستخلاف الذي لم تمض به السنة" ، وهو قد أكد ذلك من قبل ص (180) بقوله : "ولم يكن الناس يعرفون قبل علي أن يصلي أحد العيد إلا مع الإمام في الصحراء ، فإذا كانت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه لم يكن فيها صلاة عيد إلا مع الإمام بطل أن يكون بمنزلة ما كانوا يفعلونه وحدانا وجماعة" ، أي كما فعل في الاستسقاء وغيره من فروض الكفايات ، والتطوعات ، وهو يريد التفريق بين حكمها وحكم العيد وأن صلاة العيد فرض عين كالجمعة ، لا من السنن ولا من فروض الكفايات ، حيث قال ص (183) : " والقول بوجوبه على الأعيان أقوى من القول بأنه فرض على الكفاية. وأما قول من قال إنه تطوع فهذا ضعيف جداً" ، ثمَّ ذكر أدلة كونه فرض عين .
رابعاً : اعتمد شيخ الإسلام على أثر علي – رضي الله عنه – في جواز صلاة العيد في الجامع ، وقيَّد ذلك بمن كان عاجزاً عن الخروج إلى المصلى ، فقال – رحمه الله - : " فإن علي بن أبي طالب لما استخلف للناس من يصلي العيد بالضعفاء في المسجد الجامع أمره أن يصلي أربع ركعات ، كما أن من لم يصل الجمعة صلى أربعاً" ، وقال ص (181-182) : " ودل ما فعله أمير المؤمنين علي على الفرق بين القادر على الخروج إلى المصلى والعاجز عنه ..... وأما من كان يوم العيد مريضا أو محبوسا وعادته يصلي العيد فهذا لا يمكنه الخروج فهؤلاء بمنزلة الذين استخلف علي من يصلي بهم ، فيصلون جماعة وفرادى ، ويصلون أربعا كما يصلون يوم الجمعة بلا تكبير ولا جهر بالقراءة ولا أذان وإقامة ؛ لأن العيد ليس له أذان وإقامة فلا يكون في المبدل عنه..... وأما من كان عاجزا عن شهودها مع الإمام فهذا أهل أن يفعل ما يقدر عليه ؛ فإن الشريعة فرقت في المأمورات كلها بين القادر والعاجز ، فالقادر عليها إذا لم يأت بشروطها لم يكن له فعلها ، والعاجز إذا عجز عن بعض الشروط سقط عنه ، فمن كان قادرا على الصلاة إلى القبلة قائما بطهارة لم يكن له أن يصلي بدون ذلك ، بخلاف العاجز فإنه يصلي بحسب حاله كيفما أمكنه ، فيصلي عريانا وإلى غير القبلة ، وبالتيمم إذا لم يمكنه إلا ذلك ، فهكذا يوم العيد إذا لم يمكنه الخروج مع الإمام سقط عنه ذلك وجوز له أن يفعل ما يقدر عليه ؛ ليحصل له من العبادة في هذا اليوم ما يقدر عليه ، فيصلي أربعا ، وتكون الركعتان بدل الخطبة التي لم يصل بها ، كما كانت الخطبة يوم الجمعة قائمة مقام ركعتين ، والتكبير إنما شرع في الصلاة الثنائية التي تكون معها خطبة ، وكذلك الجهر بالقراءة ، كما أنه في الجمعة يجهر الإمام في الثنائية ولا يجهر من يصلي الأربع كذلك يوم العيد لا يجهر من يصلي الأربع ، فالمحبوس والمريض والذي خرج ليصلي ففاتته الصلاة مع الإمام يصلون يوم العيد ، بخلاف من تعمد الترك .
فهذا أصل عظيم مضت به السنة في الفرق بين الجمعة والعيد وقد اختلفت الرواية عن أحمد فيمن فاته العيد هل يصلي أربعا أو ركعتين أو يخير بينهما؟ على ثلاث روايات" انتهى .
ومن خلال هذا النص ألخص الأحكام التي تخص مسألتنا :
1- قوله في المحبوس والمريض : " فهذا لا يمكنه الخروج ، فهؤلاء بمنزلة الذين استخلف علي" بيان منه بتنزيل هذه المسألة على أثر علي – رضي الله عنه - ، والناس في هذه النازلة محبوسون بسبب الحظر ، أو حبس المسجد عنهم ، والتنزيل ظاهر .
2- قوله : "يصلون أربعاً كما يصلون يوم الجمعة " ظاهر أيضاً في أن ابن تيمية – رحمه الله - فهم من اجتهاد أمير المؤمنين – رضي الله عنه – تخريج العيد على الجمعة ، وما قيل في سبب كونها أربع ركعات لمن فاتته هي كونها فاتته مع الإمام : "فيصلي أربعاً ، وتكون الركعتان بدل الخطبة.." ، وفيه عدم الخطبة ؛ إذ لا يجتمع البدل والمبدل منه.
3- ليس هناك تكبيرات زوائد في الركعات الأربع ، لقوله : "والتكبيرات إنما تشرع في الصلاة الثنائية التي تكون معها خطبة.." .
4- لا يجهر بالقراءة ، لقوله : "كما أنه في الجمعة يجهر الإمام في الثنائية ، ولا يجهر من يصلي الأربع ، كذا يوم العيد لا يجهر من يصلي الأربع" .
5- كل الأحكام السابقة لا إشكال في التخريج – والله أعلم - فيما إذا أقيمت صلاة العيد في البلد ، كالحرمين – بإذن الله - .
6- ذكر ابن تيمية – رحمه الله – مع المحبوس والمريض "والذي خرج ليصلي ففاتته الصلاة مع الإمام يصلون العيد ، بخلاف من تعمد الترك" ، وقد بيَّن في ص (182) أن التارك المتعمد القادر إن فاتته فإنها إلى غير بدل ، ويفهم منه أن غير المتعمد كالمحبوس – ولو لم تقم صلاة العيد في بلده ، أو في المصليات المعتادة في مدينته – له البدل ، وقد ذكر – رحمه الله – في هذه الفتوى كما في ص (185- 186) : " والعاجز إذا عجز عن بعض الشروط سقط عنه ..... فهكذا يوم العيد إذا لم يمكنه الخروج مع الإمام سقط عنه ذلك ، وجوز له أن يفعل ما يقدر عليه ؛ ليحصل له من العبادة في هذا اليوم ما يقدر عليه" ، وهذا يستقيم على فتياه بأن الصلاة فرض عين ، إذا هي والحالة كذلك لا تسقط بفعل البعض ، فكيف إذا لم يفعلها أحد ، وهي من شعائر الإسلام ، فلعل فعلها بالبيت من باب أولى ، والعلم عند الله .
وتخريجها على أصل الشيخ المذكور من سقوط الواجبات - الشروط - بالعجز ، إذا قيل إن من شرطها الأداء مع الإمام ، أو سبق الأداء ، والله أعلم .
لكن على رأي شيخ الإسلام لا يصلون إلا أربع ركعات ؛ لأنها تنزل منزلة الجمعة لو عطلت في بلد ما ، لما سبق لأن صلاة العيد من جنس صلاة الجمعة .
تنبيه : قول شيخ الإسلام: " فهذا أصل عظيم مضت به السنة في الفرق بين الجمعة والعيد " راجع - والعلم عند الله - فيمن ترك العيد عمدا وهو قادر ، فإنه لا يشرع له صلاتها ؛ لأنها لا بدل لها ، بخلاف الجمعة فلها بدل وهو صلاتها ظهرا ، دل عليه سياق كلامه ، كما أنه فرق بينهما في حق المرأة بأمرها بالخروج لها بخلاف الجمعة ، وجمع بين النساء والعجزة في الحكم فأثبت الحكم لهما بأثر علي - رضي الله عنه - وقاس عليه المحبوس والمريض .
والله أعلم ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
عبدالرحمن بن علي الحطَّاب 28/9/1441هــ .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق