الثلاثاء، 16 يونيو 2020

مسألة كلام الله

مسألة : كلام الله تعالى

كلام الله صفةُ فعل من صفاته سبحانه وتعالى ، قديم النوع ، حادث الآحاد ، يتعلق بمشيئته ، يتكلّم كيف شاء ، متى شاء ، ويتناول اسم الكلام : اللفظ والمعنى جميعاً على سبيل العموم ، بل كل منهما جزء لمسماه ، ودلالته عليهما بطريق المطابقة ، " وهو يتكلَّم به بصوت يسمع ، وأن نوع الكلام أزلي قديم ، وإن لم يجعل الصوت المعيَّن قديماً ، وهذا هو المأثور عن أئمة الحديث والسنة " .

ويبنى عليه من المسائل الأصوليَّة ما يلي :
1- تعريف الحكم الشّرعيّ بأنّه : "خطاب الشارع" ، وبأنه : كلام الله .
قال شيخ الإسلام : " قد يقال : الحكم هو : خطاب الشارع ، وهو : الإيجاب والتحريم منه ، وقد يقال هو : مقتضى الخطاب وموجَبُهُ ، وهو الوجوب والحرمة – مثلاً - ، وقد يقال : المتعلق الذي بين الخطاب والفعل ، والصحيح أن اسم الحكم الشرعي ينطبق على هذه الثلاثة " .
وقال : " فالإيجاب والتحريم يعود إلى خطاب الشارع وكلامه " .
والخطاب والكلام يطلقان عنده على ما يصح أن يسمع ، وما يسمع يكون بصوت وحرف ، وهذا لا يناقض أصله ، وهو المقصود . 
ودلالة (خطاب الله) على السماع – في مسألة الكلام عند المتكلمين – أقوى من دلالة (كلام الله) ، وهذا يعرف من خلال مناقشتهم لتعريف الحكم الشرعي ، وسيأتي في تعريف القرآن بأن الشيخ عرَّفه بأنه (كلام الله) وأثبت أن ذلك بصوت وحرف ، والخطاب كذلك .
2- ‏القول بأن خطاب التكليف يتعلق بالمعدوم ويتناوله بتقدير وجوده على الصفة التي يصح منها تكليفه ، ‏إذا حمل (خطاب الله) ‏في تعريف الحكم على " أنه خطاب لحاضر في العلم ، وإن كان مفقوداً في العين".  [حاشية : وهو تخريج أصل من فرع وبيانه]
3- ‏اعتبار الأسباب الشرعية والعلل مؤثرة في الحكم لا بذاتها ‏وإنما بجعل الشارع إياها موجبة أو مقتضية للحكم.
وقد عرف شيخ الإسلام السبب بأنه "ما يقتضي شرعية الحكم" ثم قال: "وإن توقف على ثبوت شروط وانتفاء موانع" 
أي : إن السبب لا يستقل بالمطلوب وهو حصول الحكم ، بل لابد من حصول الشروط وانتفاء الموانع ، فالسبب جزء من المقتضي للحكم وليس كل المقتضي ؛ وأن تلك الأسباب ليست موجبة على الله ، بل له ‏الخلق والأمر , ولا يقاس بخلقه .
ومثل السبب العلة - وهي هو هنا - وقد ذكر أنها : المعنى المقتضي للحكم ، ‏وإن توقف الحكم على ثبوت شرط ، أو انتفاء مانع ، فهذه لا تُوجد الحكم بل فيها معنى يقتضي وجود الحكم ويطلبه  
ووجه ارتباطها : أنّ من أثبت صفة الكلام لله وجعل الحادث أحاد الكلام - كما هو مذهب أهل السنة - فإنّه لا يمنع أن يقال: إنّ الأسباب والعلل مؤثرة ؛ لأنّه يكون من تعليل الحادث بالحادث فينتفي المحذور الذّي فرّ منه من قال : بأنّ الكلام والأحكام قديمة , والعلل حادثة , ويستحيل عقلًا أن يؤثر الحادث في القديم .
٤-  عّرف القرآن بأنه " كلام الله " ثمَّ قال : " وهو كلام الله حروفه ومعانيه , ليس كلام الله الحروف دون المعاني , ولا المعاني دون الحروف" .
‏وقال رحمه الله : "ولا يجوز إطلاق القول بأنه حكاية عن كلام الله ، ‏أو عبارة عنه ، بل إذا قرأه الناس أو كتبوه في المصاحف ‏لم يخرج بذلك عن أن يكون كلام الله تعالى حقيقة فإن الكلام إنما يضاف حقيقة إلى من قاله مبتدئاً لا إلى من قاله مبلغاً مؤدياً " .
٥-‏ إثبات تفاضل كلام الله في نفسه وذاته ومعناه , فآيات القرآن يفضل بعضها بعضاً , وهو "المأثور عن السلف وعليه الأئمة الأربعة " . 
‏وهو مبني على أن آحاد كلامه من صفاته الفعلية المتعلقة بمشيئته، فلا يزال متكلماً إذا شاء، متى شاء، وعليه فلا يكون معناه معنى واحداً لايتجزأ 
وقد دلّت النصوص على تعدد كلام الله ، فتكون الألفاظ الدالة على تلك المعاني متعددة وليست واحدة .
٦ - عدم جواز ترجمة القرآن ؛ لأن كلام الله حقيقة يشمل اللفظ والمعنى , والمترجَم ليس كلامه لفظاً ، إن سُلِّم بأنه يطابق المعنى . 
٧- صحة تعريف النسخ بأنه رفع للخطاب , ولا محذور فيه , لأن خطابه سبحانه وكلامه صفة فعلية متعلقة بمشيئته , فينسخ ويرفع ما يشاء ويحكم ما يشاء . ‏
قال رحمه الله : " كثير من الناس يقولون ؛ ليس النسخ إلا بيان ما لم يرد باللفظ ، وليس هو رفعاً للحكم ، بل بيان للمراد ، والأكثرون على أن النسخ يتناول الأقسام الثلاثة وكلها واقعة " [والثالث : كقول ابن عباس – رضي الله عنه – هذه الآية منسوخة ، وهو يريد رفع ما يظن من دلالة النص عليه]
٨ - للخبر صيغة ، وللأمر صيغة ، وللعموم صيغة موضوعه لكل واحدة منهم تدل عليه بمجردها على كونه خبراً أو أمراً أو نهياً أو عاماً.. الخ. 
وليس الخبر أو الأمر هو الصيغة فقط ، أو المعنى فقط ، بل الخبر الصيغة (اللفظ) والمعنى جميعاً ؛ لأن الخبر والأمر والعام من الكلام، والكلام اسم يتناول اللفظ والمعنى جميعاً على سبيل الجمع وهو حقيقة فيهما.
٩- مبدأ اللغات توقيف من الله سبحانه وتعالى ، إذ إنه سبحانه كلَّم آدم عليه السلام ، وعلَّمه الأسماء .
قال ابن تيمية : " والذين قالوا إنه توقيفية تنازعوا هل التوقيف بالخطاب ، أو بتعريف ضروري ، أو كليهما ؟ فمن قال : إنها بتوقيف ، وإن التوقيف بالخطاب ، فإنه ينبني على ذلك أن يقال : إنها غير مخلوقة ؛ لأنها كلها من كلام الله تعالى " .
ثمَّ ناقش من يدعي أن الأسماء التي علمها الله تعالى لآدم – عليه السلام – كلّها توقيف ، وقطع بأن في أسماء الأعلام منها ما هو مرتجل ، وضعته الناس ابتداء ، ويكون الخلاف هل علّم الله تعالى آدم أسماء الأجناس كلَّها ؟ والذي اختاره أنّ " الإلهام كاف بالنطق باللغات من غير مواضعة متقدمة، وإذا سمي هذا توقيفاً فليسم توقيفاً " .
والله الموفق .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مقدمة لدراسة السيرة النبوية

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصّلاة والسّلام على نبيِّه ومصطفاه، نبينا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد:  فالسيرة النبوية هي : كل م...