السبت، 20 يونيو 2020

الحكمة في أفعال الله

مسألة: الحكمة في أفعال الله
شرع الله الشرائع من الأوامر والنواهي لغايات مقصودة ، وحِكم محمودة ، وهو سبحانه موصوف بالحِكمة ، وحكمه لا يحيط بها علماً إلا هو سبحانه وتعالى ، وبعضها معلوم للخلق ، وبعضها مما يخفى عليهم .
والمراد بالحِكمة من أفعاله : الغايات المحمودة المقصودة بفعل الله وشرعه ، وهي مقدَّمة في العلم والإرادة ، متأخرة في الوجود والحصول ، أي أنها تترتب على الأقوال والأفعال ، وتحصل بعدها . 
قال شيخ الإسلام رحمه الله : « الله سبحانه حكيم لا يفعل شيئاً عبثاً ، ولا لغير معنى ومصلحة ، وحِكمه هي الغاية المقصودة بالفعل ، بل أفعاله سبحانه صادرة عن حكمة بالغة لأجلها فعل كما فعل ، كما هي ناشئة عن أسباب بها فعل » .
وبيَّن ابن تيميَّة أن الحكمة تتضمن شيئين :
الأول : حكمة تعود إلى الله تعالى يحبها ويرضاها فهي صفة له ، تقوم به ؛ لأن الله لا يوصف إلا بما قام به ، وهي ليست مطلق الإرادة ، وإلا لكان كل مريد حكيماً ، ولا قائل به . 
الثاني : حكمة تعود إلى عباده ، وهي نعمه عليهم يفرحون ويلتذون بها في المأمورات والمخلوقات .
وجعل الحكمة الحاصلة من الشرائع على ثلاثة أنواع ، فقال  : « والحكمة الحاصلة من الشرائع ثلاثة أنواع : 
أحدها : أن يكون الفعل مشتملاً على مصلحة أو مفسدة ، ولو لم يرد الشرع بذلك ، كما يعلم أن العدل مشتمل على مصلحة العالَم ، والظلم يشتمل على فسادهم ، فهذا النوع هو حسن وقبيح ، وقد يعلم بالعقل والشرع ذلك...
النوع الثاني : أن الشارع إذا أمر بشيء صار حسناً ، وإذا نهى عن شيء صار قبيحاً ، واكتسب الفعل صفة الحسن والقبح بخطاب الشرع .
والنوع الثالث : أن يأمر الشارع بشيء ليمتحن العبد ، هل يطيعه أم يعصيه ! ، ولا يكون المراد فعل المأمور به ، كما أمر إبراهيم بذبح ابنه ، فلما أسلما وتله للجبين حصل المقصود ففداه بالذِبح....فالحكمة منشئوها من نفس الأمر لا من نفس المأمور به » .
وهناك نوع رابع ذكره – رحمه الله - في موضع آخر ، وهي الحكمة والمصلحة الحاصلة من الفعل المأمور به والأمر معاً ، وهي أكثر أحكام الشريعة ، كالصلاة والصوم والحج وإقامة الحدود..الخ .
قال رحمه الله : « ...قد تكون الحكمة في المأمور به ، وقد تكون في الأمر ، وقد تكون في كليهما...» .  
إذا تقرر ما سبق فقد بنى على هذا الأصل أصولاً عقدية كبيرة ، ومسائل أصولية ، ومن ذلك :
١ - تكليف ما لا يطاق فيها تفصيل – سبق الإشارة إليه - تحت مسألة القدرة , وينبه هنا إلى أن الحكمة والمصلحة , قد تكون ناشئة من الأمر لا من المأمور به, وتكون الحكمة هي الابتلاء والامتحان ؛ ليعزم على فعله, وليس المراد فعل المأمور به ؛ إذ الحكمة كما سبق تأصيله قد تعود للعبد ، وقد تعود لله ، فهو سبحانه يحب أن يرى عباده طائعين منقادين لأمره ، مجتنبين لنهيه .
٢ - التحسين والتقبيح العقليان, وأثبت رحمه الله أن الحسن يكون للفعل تارة, ويكون منشؤوه الفعل المأمور به, وتارة نفس الأمر , لا من نفس المأمور به, وتارة منهما جميعًا, والعقل قد يستقل بدرك حسن الفعل, أو قبحه, كحسن الإيمان, والعدل والإحسان, وقبح الكفر, كما في النوع الأول, والشرع يزيده حسنًا وقبحًا, وبه يترتب الثواب والعقاب.
وذكر رحمه الله أن العقل قد لا يستقل بذلك, ولا يعرفه مفصلاً في كل فعل بعينه إلا بخطاب الشرع, وكل ما أمر به الشرع فهو حسن, وكل ما نهى عنه فهو قبيح, فالشرع زاد ما حسنه العقل حسنا بالأمر به, وقبَّح ما قبَّحه العقل قبحاً بالنهي عنه.
وقال رحمه الله عن الأوّل: «وقد تكون الحكمة في المأمور به ... فهو إذا أمر به صار فيه حكمتان حكمة في نفسه, وحكمة في الأمر, فيبقى له حسن من جهة نفسه, ومن جهة أمر الشارع, وهو هو الغالب على الشريعة» .
قلت: فتظهر الحكمة في جميع الأقسام إضافة إلى أمر الشارع فالأول والثالث قد ظهر حسنه, وحكمة الشارع في جلب ذلك الحسن والنفع للعباد, أو دفع القبح والفساد عنهم, وأمّا ما كان من القسم الثاني الذي تنشأ مصلحته من الأمر فهو ما سبق, من قصد الابتلاء والامتحان؛ ليعزم على فعله, ثم ينظر للحكمة العائدة إلى الرب والتي يحبها ويرضاها من الخضوع لأمره ونهيه والتسليم له .
 وبيّن شيخ الإسلام أنّ المعتزلة أثبتت الحكمة التي تقع للعباد فقط, كما أنهم لم يفهموا الحكمة التي تنشأ من الأمر سواء كان بنفسه أو مع الحسن الذي أدركه القتل.
٣ - تعليل الأحكام : ولك أن تقول هي هي مسألة الأصل, وإن كان تخصيصها هنا بالأحكام, والقول بتعليل فعله يلزم منه القول بتعليل أمره وحكمه, إذ حكمه وأمره من فعله.
ونبه رحمه الله إلى تناقض من يمنع تعليل أفعال الله, فقال: « والغالب عليهم عند الكلام في الفقه وغيره التعليل, وأما في الأصول: فمنهم من يصرح بالتعليل ومنهم من يأباه».
ويدخل هنا كذا الأسباب -إذ هي من أحكامه الوضعية- ولها أثر في مسبباتها وهي ناشئة عن حكمة, كما سيأتي الحديث عنها.
قال ابن تيمية رحمه الله : « ... أمّا أولا: فإنّ العمل الذي لا مصلحة للعبد فيه, لا يأمر الله به, وهذا بناء على قول السلف: إن الله لـم يخلق ولـم يأمر إلّا لحكمة, كما لـم يخلق ولـم يأمر إلّا لسبب».
٤ - عدم تصور قبول النسخ للأحكام التي هي حسنة بذاتها كالتوحيد والعدل والإحسان, أو التي هي قبيحة بذاتها, كنسخ تحريم الكفر أو الظلم, وذلك لأنّه ليس من الحكمة النهي عن التوحيد, أو الأمر بالكفر والظلم, تعالى الله عن ذلك, وليس ذلك بواجب على الله, بل ذلك هو مقتضى حكمته.
قال ابن تيمية: عمن أجاز ذلك, ونفى كون أفعاله تعلل: « فهذا القول ولوزامه هو أيضًا قول ضعيف مخالف للكتاب والسنة ولإجماع السلف, مع مخالفته للمعقول الصريح, فإنّ الله تنزه عن الفحشاء, فقال: (قل إن الله لا يأمر بالفحشاء) , كما نزّه نفسه عن التسوية بين الخير والشر, فقال: (أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون) ».
وذلك لأنّ نفاة التعليل بالغوا حتى قالوا إنّه يجوز أن يأمر بالشرك, وينهى عن عبادته وحده.
٥ - عدم اشتراط التمكن من إيقاع الفعل في توجه التكليف, فيجوز التكليف بالفعل الذي ينتفي شرط وقوعه عند وقته.
قال ابن تيمية: «وصورتها: أن يقول له إذا جاء الزوال فصل, وهو يعلم أنه يموت قبل الزوال, فعندنا هذا أمر صحيح؛ لأن من أصلنا أن فائدة الأمر تنشأ من نفس الأمر, لا من الفعل المأمور به, فيحصل اعتقاد الوجوب والعزم على الطاعة, ويكون سببه الامتحان والابتلاء ... ويكون فائدته العزم على الطاعة بتقدير القدرة » .
٦ - جواز نسخ الحكم قبل التمكن منه, وقد قال ابن تيمية عقب حديثه عن المسألة السابقة – في أولها - : «والتحقيق أن هذه المسألة من جنس مسألة نسخ الشيء قبل وقت وجوبه » ، وقال في ختمها : « تشبه النسخ قبل التمكن؛ لأن ذلك رفع للحكم بخطاب, وهذا رفع للحكم بتعجيز».
وقال رحمه الله : « ... وإذا كان مقصود الآمر الامتحان للطاعة, فقد يأمر بما ليس بـحسن في نفسه, وينسخه قبل التمكن إذا حصل المقصود من طاعة المأمور وعزمه وانقياده وهذا موجود في أمر الله وأمر الناس بعضهم بعضا» .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مقدمة لدراسة السيرة النبوية

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصّلاة والسّلام على نبيِّه ومصطفاه، نبينا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد:  فالسيرة النبوية هي : كل م...