مسألة قدرة العبد وأنواعها
ذهب أهل السنة والجماعة إلى أنّ القدرة نوعان:
نوع قبل الفعل , وهي : توفر الأسباب وسلامة الآلات, وهي المشترطة في التكليف ، التي إذا وجدت في العبد صار مكلفاً ، وتسمى بالقدرة الشرعيَّة ، أو المصححة للفعل ، والمجوِّز له .
ونوع مع الفعل , وهذه القدرة ليست شرطًا في التكليف، وتسمى بالقدرة الكونيَّة ، أو الموجبة للفعل ، والمحققة له .
قال ابن تيمية : « والصواب الذي عليه الكتاب والسنة : أن الاستطاعة متقدمة على الفعل ومقارنة له أيضاً ، وتقارنه استطاعة أخرى لا تصلح لغيره ، فالاستطاعة نوعان : متقدمة صالحة للضدين ، ومقارنة لا تكون إلا مع الفعل ، فتلك هي المصححة للفعل ، المجوزة له ، وهذه هي الموجبة للفعل ، المحققة له .....فالأولى : هي الشرعيَّة التي هي مناط الأمر والنهي ، والثواب والعقاب ، وعليها يتكلم الفقهاء ، وهي الغالبة في عرف الناس . والثانية : هي الكونيّة ، التي هي مناط القضاء والقدر ، وبها يتحقق وجود الفعل ، فالأولى للكلمات الأمريات الشرعيات ، والثانية للكلمات الكونيات ، كما قال : (وصدقت بكلمات ربها وكتبه)» .
ونبَّه رحمه الله في منهاج السنة إلى أن الاستطاعة « المشروطة في الشرع أخص من الاستطاعة التي يمتنع الفعل مع عدمها ، فإن الاستطاعة الشرعية قد تكون مما يتصور الفعل مع عدمها وإن لم يُعجز عنه...فالشارع لا ينظر في الاستطاعة الشرعية إلى مجرد إمكان الفعل ، بل ينظر إلى لوازم ذلك ، فإذا كان الفعل ممكناً مع المفسدة الراجحة لم تكن هذه استطاعة شرعية ، كالذي يقدر أن يحج مع ضرر يلحقه في بدنه أو ماله ، أو يصلي قائماً مع زيادة مرضه...» .
ويبنى على هذا الأصل مسائل أصول الفقه منها :
١ - مقتضى التكليف فعل وترك ، وقد ذكر رحمه الله أن خطاب التكليف هو « الذي يطلب به من المأمور فعلاً أو تركاً » ، ولما كان ذلك الفعل أو الترك يسبقه عدم , فإنه لا يمنع ذلك من تكليفه إذا وجدت القدرة التي هي مناط التكليف وهي: توفر الأسباب وسلامة الآلات ، فيصادف التكليف شرطه - وهو القدرة - فيجوز التّكليف به.
ونصَّ على ذلك رحمه الله حيث قال رحمه الله في منهاج السنة : « والصواب الذي عليه أئمة الفقه والسنة أن القدرة نوعان : نوع مصحح للفعل يمكن معه الفعل والترك ، وهذه هي التي يتعلق بها الأمر والنهي »
٢ - صحة توجه التكليف للمكلَّف قبل الفعل , ويستمر أثناء العمل ؛ لأنّه في الحالين لا يخرج عن كونه تكليفًا لقادر ؛ إذ القدرة تكون قبل الفعل ومع الفعل.
قال رحمه الله في منهاج السنة : « والصواب الذي عليه أئمة الفقه والسنة أن القدرة نوعان : نوع مصحح للفعل يمكن معه الفعل والترك ، وهذه هي التي يتعلق بها الأمر والنهي فهذه تحصل للمطيع والعاصي ، وتكون قبل الفعل ، وهذه تبقى إلى حين الفعل....ولكن هذه الاستطاعة مع بقائها إلى حين الفعل لا تكفي في وجود الفعل ، ولو كانت كافية لكان التارك كالفاعل ، بل لا بد من إحداث إعانة أخرى تقارن هذه ، مثل جعل الفاعل مريداً ، فإن الفعل لا يتم إلا بقدرة وإرادة ، والاستطاعة المقارنة للفعل تدخل فيها الإرادة الجازمة ، بخلاف المشروطة في التكليف ، فإنه لا يشترط فيها الإرادة ، والله تعالى يأمر بالفعل من لا يريده ، لكن لا يأمر به من لو أراده لعجز عنه » .
٣ - يصح تتناول الأمر للمعدوم بشرط وجوده , ونقل شيخ الإسلام عن قوم أنّ الأمر: « يتناول المعدوم ويكون إعلاما لا إلزاما » , وأحال إلى مسألة تعلق التكليف بالفعل قبله أو بعده , كما في المسألة السابقة ، وقال فيها : « وإذا تقدم على الفعل كان أمرًا عندنا على الحقيقة, وإن كان في طيه إيذان وإعلام على ما بينا في أمر المعدوم » .
٤ - فصَّل ابن تيمية – رحمه الله - في تكليف ما لا يطاق ، فقال : « تكليف ما لا يطاق لعجز العبد عنه لا يجوز ، وأما ما يقال إنه لا يطاق للاشتغال بضده فيجوز تكليفه »
وبيان ذلك : أن القسم الأول انتفى تكليفه لعدم القدرة السابقة ، التي هي مناط التكليف ، بخلاف القسم الثاني فالقدرة السابقة موجودة ، وإنما تركه « لا لاستحالته ولا للعجز عنه, لكن لتركه والاشتغال بضده »، وهذا محال لو قيل إن القدرة لا تكون إلا مقارنة مع لفعل ، وهذا سبب خطأ من أطلق القول بتكليف ما لا يطاق ، كما نصَّ على ذلك شيخ الإسلام ، وقال : « وهؤلاء جعلوا لفظ ما لا يطاق لفظاً عاماً يدخل فيه كل فعل ؛ لكون القدرة عندهم لا تكون إلا مع الفعل....فإذا فُصِّل الأمر عليهم ثبت أن دعواهم جواز ما لا يطاق للعجز عنه – سواء كان ممتنعاً لذاته أو ممكناً – باطلة لا دليل عليها ، وأما جواز تكليف ما يقدر عليه من العبادة – ويقولون هم :إنه لا يكون إلا حين الفعل – فهذا مما اتفق الناس على جواز التكليف به » .
٥ - منع تكليف المكره الذي لا قدرة له مطلقة ، وقد تكلَّم عنه ابن تيمية – رحمه الله - أثناء رده على الجبرية, وأشار إلى أنّ الجبر من الألفاظ المجملة, وأن السلف أنكروا إطلاق الجبر, ثم قال: « ولا قال أحد منهم : إنّ قدرة العبد لا تأثير لها في فعله, أو لا تأثير لها في كسبه, ولا قال أحد منهم : إنّ العبد لا يكون قادرًا إلّا حين الفعل, وإن الاستطاعة على الفعل لا تكون إلّا معه وإنّ العبد لا استطاعة له على الفعل قبل أن يفعله».
وقسَّم الإكراه إلى ثلاث مراتب : « أحدها: من يفعل به الفعل من غير قدرة له على الامتناع ... ومثل هذا ليس فيه أمر ولا نهي؛ ولا عقاب باتفاق العقلاء ... والثانية: أن يكره بضرب أو حبس أو غير ذلك حتى يفعل, فهذا الفعل يتعلق به التكليف فإنه يمكنه أن لا يفعل وإن قتل. ... وأمّا المكره بحق كالحربي على الإسلام فهذا يلزمه ما أكره عليه باتفاق العلماء » .
فالأول لا قدرة له سابقة - التي وهي مناط التكليف - فهو غير مكلف ، بـخلاف المرتبة الثانية والثالثة – وهي الإكراه بحق - فله قدرة سابقة , تصلح للضدين معًا الفعل والترك فكان مكلَّفاً .
٦ - جواز مقارنة العلّة المعلول, وعدم تقدمها عليه ، وهذا لا يخالف قاعدة الأصل عند ابن تيمية؛ إذ القدرة التي تتقدم على الفعل, هي القدرة الممكنة المشترطة للتكليف, وليست هي علةً للفعل حتى تكون مقارنة له ، وأمّا القدرة التي هي علة للفعل فهي القدرة الميسرة, فلا بد أن تكون مقارنة له .
قال شيخ الإسلام عند حديثه السابق أن القدرة « والاستطاعة المقارنة للفعل تدخل فيها الإرادة الجازمة ، بخلاف المشروطة في التكليف....وإذا اجتمعت الإرادة الجازمة والقوة التامة لزم وجود الفعل ، ولا بد أن يكون هذا المستلزم للفعل مقارناً له ، لا يكفي تقدمه عليه إن لم يقارنه ؛ فإنه العلة التامة للفعل ، والعلة التامة تقارن المعلول ، لا تتقدمه...» .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق