بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين ، إياك نعبد وإياك نستعين ، والصلاة والسلام على نبيه الأمين ، وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد : فإن شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – سيفٌ سلَّه اللهُ على أهل الباطل من المتكلمين وأصحاب الفرق الضالة ، قاتلهم بسلاح العلم والمعرفة ، ففرَّق الله به جمعهم ، وفنَّد شبههم وتخيلاتهم ، وأزهق باطلهم بما جاء به من الحق المستنير بنور الوحي ، فنقَّح العلوم الشرعية من زغل عقولهم ، ومن تلك العلوم علم أصول الفقه الذي كان مدخلاً كبيراً لهم إلى بقية العلوم ، فهو أصل في فهمها ، وطريق إلى استنباط أحكامها ومعانيها ، فأوصد شيخ الإسلام الباب عليهم ، ووقف حارساً لشريعة الله مجاهداً على ثغر عظيم من ثغور الإسلام ، شاهراً سيفه ، وقامعاً به بدعهم – بتوفيق من الله وإعانة له – فحُق له أن يكون شيخاً للإسلام .
وقد نبَّه – رحمه الله – إلى أن المتكلمين " صنفوا في أصول الفقه – وهو علم مشترك بين الفقهاء والمتكلمين – فبنوه على أصولهم الفاسدة " . الاستقامة (1/50)
وقد تتبع – رحمه الله – صنيعهم ، ناقداً لهم ، إلا أن كلامه مبثوث في أثناء كتبه ، وقد جمعت جملاً طيبة من نصوصه ، يخيَّل إليَّ أن الناظر فيها قادر على إدراك غيرها من المزالق .
ورأيت أن أقتصر على بيان مذهب أهل السنة والجماعة ؛ لأهداف وأسباب يأتي ذكرها ، ورتبت مسائل الكتاب على طريقة الإسنوي في التمهيد ، وسرت على نهجه :
أولاً : بذكر المسألة العقدية أو الكلامية منقحة مهذبة ملخصة ، دون الاستدلال عليها ، فذاك في علم أصول الدين .
ثانياً : اتبعها المسائل الأصولية التي بنيت عليها ، مبيناً وجه بنائها على أصول أهل السنة والجماعة ، متجنباً قدر الاستطاعة وجه بنائها على أصول المتكلمين واختياراتهم ، وإن ذكر ذلك شيخ الإسلام .
وأسميته (بناء مسائل أصول الفقه على الأصول العقدية والكلامية عند شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ) ، والله المسؤول أن ينفع به مؤلفه ، وكاتبه ، والناظر فيه ، وجميع المسلمين بمنه وكرمه .
أهداف وأسباب وأهمية الكتابة في الموضوع :
1- أهمية معرفة اعتقاد أهل السنة والجماعة لبناء وتخريج المسائل الأصولية عليه .
2- خفاء وغموض وجه البناء على كثير من المتخصصين ، ومنه حصل الخلط في البناء على أصول الفرق الكلاميَّة .
3- كون أكثر الخائضين في تأليف أصول الفقه من المتكلمين ، وكلٌّ يقرر أصوله ومعتقده ، فوجب على الناظر فيها : الإلمام بعقيدة السلف ، واطِّلاعه على القضايا الخلافية بين الفرق الإسلاميَّة " ليحذر الناظر في كتبهم من الوقوع في معتقداتهم ، فأكثر الفقهاء لا خبرة لهم بمثل هذا " كما قال ابن عقيل في الواضح(1/236) ، فكيف بعصرنا الذي أصبحت العلوم والدراسات الجامعية تسير إلى التخصص الدقيق ، ومن العسير على طالب أصول الفقه التفطن لدقائق علم الكلام ، فضلاً عن وجه بنائها .
4- البعد عن التناقض بين ما يعتقده ، وما بنى عليه من مسائل أصول الفقه ، وفي هذا من القبح ما فيه ، إلا أنني أشير إلى أن هذا وإن وقع - وقد ظهر جلياً في الإلزامات الواقعة بين الأصوليين بعضهم على بعض ، سواء كان في معتقدين أو بين أصحاب المعتقد الواحد – إلا أنه قد لا يكون لازماً ؛ إذا عرف أنَّ للمسألة مآخذ أخرى ، اتجه نظر المخرِّج إليها .
5- كون البناء من شيخ الإسلام ابن تيميَّة – رحمه الله – وهو العالم والخبير بمذهب أهل السنة والجماعة ، والمذاهب الكلامية الأخرى ، فقد استقرأها وسبرها ، وقد قال – في أثناء رده على بعض مسائلهم - وصدق : " وقد تدبرت عامة ما رأيته من كلام السلف – مع كثرة البحث عنه ، وكثرة ما رأيته من ذلك – هل كان الصحابة والتابعون لهم بإحسان أو أحد منهم على ما ذكرته من هذه الأقوال التي وجدتها في كتب أهل الكلام ....فما وجدت في كلام السلف ما يوافق ذلك " الاستقامة (1/50)
ولم أجد أحداً تتبع ما يقع من المتكلمين في مسائل أصول الفقه من أهل السنة والجماعة كما وقع من شيخ الإسلام ابن تيمية ، فقد جمع الله لنا به الحسنيين : المادة العلمية من مظانها ، وكونه عالماً خبيراً بها ، فأيُّ خير أراده الله بنا ، فجزاه الله عنا وعن المسلمين خير الجزاء .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق