الأحد، 15 نوفمبر 2020

تجربتي في البحث العلمي

             بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين ، والصلاة والسلام على نبيه الأمين ، وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد ، فهذه مشاركة ومداخلة طُلبت مني في ورشة بعنوان تجارب وخبرات في برنامج بكالوريوس الشريعة ، في محور (تجارب في البحث العلمي) ، ومن الجميل نقل التجارب والخبرات للآخرين ، على أن يقوم كل شخص بالإفادة مما يراه مناسباً له ، فبعض تجاربي الناجحة لي قد لا تكون مناسبة للآخر ، وربما استطاع الآخر أن يطورها ويستفيد منها ، فأقول مستعيناً بالله :
١-  استعين بالله دوماً ، واستغفره قبل أن أطلب الاستشارة من أحد من خلقه في موضوع البحث والكتابة فيه ، ولا استشير إلا متخصصاً، وأحسب أنه سليم الصدر ، محب لي الخير ، فإن كل ذي نعمة محسود .
٢- لا أكتب شيئاً غير مقتنع به أبداً ، وأحسب أنني إذا دخلت مكتبة، أو معرض كتاب لا أجد ما أكتب فيه، أو فيه ذلك لكن يحتاج إلى مزيد بحث .
وقد قال العلائي رحمه الله نقلا عن بعض الائمة المتقدمين :" الأقسام السبعة التي لا يؤلف عالم عاقل إلا فيها هي : إما شيء لم يسبق إليه يخترعه ، أو شيء ناقص يتممه، أو شيء مغلق يشرحه، أو شيء طويل يختصره دون أن يخل بشيء من معانيه، أو شيء متفرق يجمعه، أو شيء مختلط يرتبه، أو شيء أخطأ فيه مصنفه يصلحه ".
ونصيحتي هنا إن لم تكن مقتنعاً فلا تقبل ما يرسل إليك من طلب استكتاب، أو مشاركة في بعض الأعمال البحثية ،ولا تكن كالنائحة المستأجرة، ولا تُسَق خلف مشاريع غيرك، و ما يعرض من مؤتمرات أو عمادة البحث العلمي، أو غيرها إن لم تستطع أن تطوع محاوره لبحثك ومشروعك فلا تكتب فيه ، وهذا يتطلب أن تكون عندك مشاريع بحثية لا تخرج عنها .
٣- تخرج أبحاثي من أبحاثي ، فالبحث يولد بحثاً - وهذا أمر طبعي من كان البحث همه - وتخرج أبحاثي من عملي ، فقد جعلت تدريسي تصنيفي ، وتصنيفي تدريسي ، كما ذكر الإسنوي ذلك عن النووي .
وتدريسي أعم من أن يكون في الجامعة أو في غيرها .
أحاول أن يكون تدريسي في المناهج التي تخدم بحوثي ، وكذا الأبحاث التي أشرف عليها أو أناقشها ؛ لأجل أن يكون العمل دافعاً لي للكتابة والبحث .
٤- احترم تخصصي ، ولا أخرج عنه،  بل وأتخصص في بعض فنونه ، وأصبحت أبحاثي الأخيرة تتعلق بربط الفروع والجزئيات بالأصول والكليات ، خدمة لمشروعين كبيرين أسعى في تحقيقهما . 
والمشروعان هما : 
الأول : يتعلق بربط أحكام القرآن بأصولها ، هكذا كان ثمَّ توسع وأصبح يشمل بالإضافة إلى أحكام القرآن : الأحكام العقدية والفقهية للكتب المشهور ،ككتاب التوحيد ، وزاد المستقنع ، وغيرها . 
والمشروع الثاني : مشروع يخدم الكتب القديمة المتعلقة بما يسمى بتخريج الفروع على الأصول ، كتأسيس النظر ، وتخريج الفروع على الأصول للزنجاني ، وتمهيد الإسنوي  .
وقد جعلت مشاريع صغيرة لكل مشروع من تلك المشاريع الكبيرة ، وقطعت – بحمد الله -شوطا كبيراً فيهن فهن هدفي الآن الموصل بعون الله إلى تحقيق المشروعين الكبيرين ، وإن وجدت من يقوم بمشروع من المشاريع الصغيرة ووثقت فيه دفعته إليه ، والدال على الخير كفاعله ، وهو في الحقيقة يخدمني ، والإنسان لن يعيش إلا زمنه ، وقد لا يسع زمنه لتحقيق أهدافه ، لذا هدفي تحقيق تلك المشاريع على يدي أو يد غيري ، والقصد أن التخصص داخل التخصص قد ينقضي العمر ولم تنته من حاجتك ، لكن قد تكون لك بصمة  .
٥- أشتري وقتي بمالي ، فأشتري كل ما يخدمني في البحث من أجهزة خاصة بالقراءة ، ولا أطبع بنفسي إلا نادراً ، أعطي البحث بعد الانتهاء لمن يقوم بمراجعته من الأخطاء المطبعية أو النحوية ، ومن يقوم بصفه وتنسيقه ، أشتري المراجع وأسافر لأطبع رسالة ، أو أنظر فيها ، فأسخر المال لخدمة بحثي .
٦- أنا ابن عصري أتعامل مع القراء بالطرق التي يتواصلون بها وأسخر هذه الوسائل لخدمة بحثي ، فكتابي الجامع البهيج المتعلق بتأصيل تخريج الفروع على الأصول أصله تغريدات في حسابي تخريج الفروع على الأصول ، وفي حسابي في الفيس أو على مدونتي (بلوجر) التابع لجوجل مقالات أصولية ، قصدت بها أن تكون نواة بحث ، وبعض بحوثي إنما هو جمع لتلك المقالات .
وأسخر مفكرة الجوال ، وكذلك جروبات وهمية على الواتساب في خدمة بحثي ، مما يطول شرحه .
٧- عرفت أن البحث شاق، ويحتاج إلى زمن ، والنفس أمارة بالسوء، وتبحث عن الراحة والدعة ، فتحايلت عليها بأمور :
أ- أعمل على أكثر من مشروع في آن واحد ، فإذا مللت من هذا انتقلت الى الآخر ، وأن تعلق بدروسي كانت الأولوية له ، كل ذلك لأدفع السآمة عنها  .
ب- أوزع العمل في المشروع الواحد، وربما كان اليوم للمقارنة بين كتابين ، وغداً للنظر في التعريفات خاصة....الخ
ج-  أضع اسماً مسجوعاً للبحث ، وأبعث به لأحد الخطاطين المهرة ، وأقوم بوضع المسودات فيه ، وتغليفه ، وأراه كأنه منتهي .
واذا كان العمل على كتاب فإني اشتري أحسن الطبعات ، ثم أصوره ، أو اشتري نسختين منه ، وأقوم بتمزيق أحدهما وأجعل بين كل ورقه وورقه ورقه مسطرة من الجانبين، تكون محلاً للتعليق .
د- عرفت أن الواجب علي بذل السبب في تحقيق وإنجاز هذه المشاريع ، وعلمت أن النتيجة بيد الله فسألته أن يبارك في العمل ، وينفع به ، وأن يكون حجة لي لا علي ، وارتاحت نفسي من التعلق الذي قد يسبب لها ثقلاً خشية عدم تحقق تلك الأهداف أو المشاريع ، أو توهم ذلك .
ه- جعلت البحث العلمي سلواناً لي أتسلى به ، بل عادة من عاداتي ، حتى أصبحت أكاد ألا أخرج من مكتبتي فهي جنتي في الدنيا ، وجدت فيها أنواعاً من الورود والفواكه والثمار ، التي تستحق القطف ، فاشتغلت في جني تلك الثمار  .
وأخيراً أسأل الله أن يبارك في أعمارنا ، ويرزقنا الإخلاص في العمل ، وخدمة شرعه ، وأداء الأمانة في زكاة العلم بنشره ، وصلى الله و سلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. 

هناك تعليق واحد:

  1. بارك الله لكم في وقتكم
    ويسر لكم إكمال المؤلفات.

    ردحذف

مقدمة لدراسة السيرة النبوية

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصّلاة والسّلام على نبيِّه ومصطفاه، نبينا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد:  فالسيرة النبوية هي : كل م...